الأعمدة

جمارك القوقو.. دولةٌ تترك اللحم وتأكل الخبز اليابس

بقلم: عوض الله نواي
تخيّل رجلاً يجلس أمام مائدة عامرة بما لذّ وطاب من اللحوم المشوية والوجبات الدسمة، لكنه يعرض عنها، ويمد يده إلى قطعة خبز يابس، جافّ، فاقد النكهة، ويأكلها راضيًا مُقنعًا نفسه بالشبع.
ذلك — للأسف — حال دولتنا.
في ذروة الحرب، وفي أشد أوقات العوز المالي، تقف أمام موارد ضخمة، ودخولٍ جاهزة، لكنها تُعرض عنها، وتُصغي بكل اهتمام إلى ما يُعرف في سوق البالة بـ “القوقو” أو كما يسميه الناس ساخرين: “المرحوم كان قدرك.”
■ المشهد الأول: اقتصاد الملابس المستعملة
في ميناء سواكن، تتراكم البالات الخضراء، محشوة بملابس قديمة، مستعملة، أحيانًا متعفّنة، تأتي من دول أخرى لتُعاد الحياة فيها هنا.
الدولة — بكل طاقاتها — تسهّل وصولها، وتنظّم استيرادها، وتفتح لها الممرات.
وكأن هذا هو المستقبل الاقتصادي…
وكأن الشعب لا يستحق إلا ما استهلكه غيره ثم لفظه.
■ المشهد الثاني: مقبرة الآليات
على الضفة الأخرى من الميناء، تصطف حفارات ضخمة — Hyundai و LiuGong — أشبه بصفوف جنازة رسمية.
كل آلية منها تحمل في ملفاتها الجمركية أكثر من 20 مليون جنيه يمكن أن تدخل فورًا إلى خزينة الدولة.
لكن الدولة — بعناد غريب — ترفض أن تقترب منها.
ترفض أن تستفيد منها.
ترفض أن تأكل من اللحم الحلال المذبوح أمامها.
وكأنها تُدار بعقل يقول:
“نترك المال يدخل… ثم نبحث عن حلول للأزمة!”
■ قرار جبريل… البيروقراطية كفنٍ لإهدار المال
ثم يأتي القرار الوزاري رقم (36) لسنة 2025م، ليُضيف عبئًا جديدًا على كاهل الدولة والمواطن معًا.
أبرز ما جاء فيه:
1. تحديد قيمة الاستيراد الشخصي بـ 3 آلاف دولار.
كأن الدولة تمنحك حقًا، ثم تقيسه بالصنّام والترخيص.
2. الاستيراد مرة واحدة كل عامين.
كأننا أمام موسم حج، لا عملية تجارية مشروعة.
3. اشتراط الاستيراد عبر منصة تُدعى “بلدنا”.
منصة مجهولة الهوية:
• ليست بنكًا
• ليست هيئة حكومية
• ليست مفوضية اقتصادية
• ولا يعرفها الوسط التجاري
ومع ذلك — وفوق ذلك — تُصبح بوابة إلزامية لا خيار سواها!
■ مغزى الخلل
الدولة لا تموّل المواطن.
ولا توفر له الدولار.
ولا تخفف جماركها.
ثم، بكل صلف، تحدد له:
• ماذا يستورد
• وبكم يستورد
• ومتى يستورد
• وكيف يستورد
لا تنظيم هنا، بل حجرٌ على الحقوق التجارية، وحجرٌ على حرية المواطن في التصرف بماله.
■ ليست مشكلة الجمارك
وللأمانة، ليست الجمارك هي العقبة.
الجمارك جاهزة، وأذرعها تعمل بعقل الدولة التي تحتاج إلى إيرادات عاجلة.
لكن الوزير — الدكتور جبريل إبراهيم — يصرّ على إدارة الاقتصاد بعقلية:
“لنجرب أولًا… فإن فشلنا، نُشكّل لجنة.”
وهكذا تُزرع البيروقراطية مكان الإصلاح…
ويُدار المال بمنطق التجريب لا بمنطق إدارة الدولة.
■ دولة في حرب… وترفض أن تأخذ رزقها
في زمن الحرب، تفعل الدول ثلاثة أشياء أساسية:
1. تفتح الموانئ
2. تخفف القيود
3. تجمع العملة بكل الطرق
أما نحن:
فنغلق الأبواب.
ونعطّل الواردات.
ونترك ملايين الدولارات في العراء… تنتظر من يعترف بقيمتها.
■ خلاصة القول… من فلسفة اقتصاد الحرب
يقول جون ماينارد كينز:
“في أوقات الحرب، يصبح سوء الإدارة جريمة لا تقل خطرًا عن الخيانة.”
ويقول آدم سميث:
“أسوأ ما يُلحق الضرر بالأمة، حاكمٌ يظن أن الاقتصاد أرقامٌ بلا حياة.”
ونحن نقول:
إن أُحسن التدبير، فلن نحتاج إلى استيراد الملابس المستعملة لنغطي بها سوء قراراتنا.

زر الذهاب إلى الأعلى