الأعمدة

*رسائل الجمعة* من العبد الفقير إلى ربه: د. فخرالدين عوض حسن عبدالعال

*💡 إضاءة قرآنية ونبوية لجمعتنا:*
الفتنة بين الناس من أخطر الآفات التي تهدد العلاقات الإنسانية، وتهدم أواصر المحبة، وتفرّق الأسر والأصدقاء والمجتمعات. وقد تبدأ بكلمة كاذبة أو نميمة أو بهتان، ثم تتسع آثارها حتى تتحول إلى عداوات وقطيعة وصراعات يدفع الأبرياء ثمنها.
قال الله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: 191].
ومن المهم أن نفهم أن هذه الآية وردت في سياق الحديث عن الفتنة في الدين والصدّ عن سبيل الله والاضطهاد، فلا يصح حصر معناها في النزاعات الاجتماعية وحدها، وإن كانت الفتنة بين الناس والإفساد بينهم من الأعمال الخطيرة التي حذّر منها الإسلام.
وقد ذمّ الله سبحانه وتعالى من يسعى إلى الإفساد بين الناس، فقال جل شأنه: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: 11].

وقال رسول الله ﷺ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ». رواه مسلم.

وفي المقابل، بيّن النبي ﷺ عِظَم أجر الإصلاح بين الناس، فقال: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟» قالوا: بلى. قال: «إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ». رواه أبو داود والترمذي.

إن هذا الهدي القرآني والنبوي يضع أمامنا مسؤولية عظيمة: ألا نكون أدوات لنقل الأكاذيب وإشعال العداوات، بل أن نكون دعاة للصدق والإصلاح، وحفظ الحقوق، وجمع الكلمة، وصيانة كرامة الناس.

*📌 اللمسة الحياتية:*

إن الفتنة بين الناس لا تبدأ دائماً بمشكلة كبيرة؛ فقد تبدأ بكلمة منقولة بغير أمانة، أو خبر لم يتم التحقق منه، أو اتهام بلا دليل، أو حديث يُنقل بقصد الإيقاع بين شخصين. وقد يظن ناقل الكلام أنه لا يفعل سوى الحديث، بينما تكون النتيجة انهيار علاقة إنسانية بُنيت عبر سنوات طويلة.

وتزداد خطورة الفتنة حين تُستغل الثقة بين الأقارب والأصدقاء، أو حين يتعمد البعض تشويه سمعة الآخرين وإثارة الشكوك حولهم لتحقيق مصالح شخصية أو إشباع مشاعر الحقد والحسد.

ومن هنا، فإن حماية المجتمع من الفتنة تبدأ من ضمير كل فرد، ومن قدرته على ضبط لسانه، والتحقق مما يسمع، والامتناع عن ظلم الآخرين أو المشاركة في الإفساد بينهم.

1. **لا تنقل كل ما تسمع:** ليس كل كلام يُقال يستحق أن يُنقل، وليس كل خبر صحيحاً. فكثير من الخلافات تبدأ بنقل حديث مبتور أو تحريف كلمة أو إضافة ما لم يقله صاحبها. تذكّر أن أمانة اللسان تقتضي التثبت قبل الكلام.

2. **النميمة ليست مجرد حديث عابر:** نقل الكلام بين الناس بقصد الإفساد قد يحوّل سوء تفاهم بسيطاً إلى عداوة طويلة، ويفسد علاقة بين زوجين أو أخوين أو صديقين. لذلك، احذر أن تكون سبباً في مشكلة لم تكن موجودة أصلاً.

3. **لا تظلم إنساناً بخبر لم تتحقق منه:** قد تؤدي الشائعة إلى تشويه سمعة بريء، أو حرمانه من حقه، أو قطع صلته بأهله وأصدقائه. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]. فالتثبت من الأخبار واجب أخلاقي وشرعي يحمي الأفراد والمجتمعات.

4. **لا تجعل نفسك أداة في يد الفتّان:** قد يأتيك شخص بكلام يثير غضبك على أخ أو قريب أو صديق، محاولاً دفعك إلى اتخاذ موقف قبل سماع الطرف الآخر. لا تتسرع، ولا تسمح لأحد أن يتحكم في علاقاتك عن طريق الشائعات والاتهامات.

5. **احفظ كرامة الغائب كما تحفظ كرامة الحاضر:** عندما تسمع إساءة إلى شخص غير موجود ليدافع عن نفسه، فلا تشارك في نشرها، ولا تتخذها حقيقة ثابتة. اطلب الدليل، وأنصف الغائب، وتجنب الخوض في أعراض الناس بغير حق.

6. **لا تجعل الخلاف الشخصي سبباً للإفساد:** قد تختلف مع إنسان في الرأي أو المصلحة، لكن الخلاف لا يبيح الكذب عليه أو تشويه سمعته أو تحريض الآخرين ضده. فالاختلاف حق، أما الظلم والبهتان والإفساد فليست وسائل مشروعة للحصول على الحقوق.

7. **كن مصلحاً لا ناقلاً للخلافات:** إذا وقع خلاف بين شخصين، فاسعَ إلى تقريب وجهات النظر، وتوضيح الحقائق، وإزالة سوء الفهم، ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. ولا تنقل الكلمات التي تزيد الغضب، بل انقل ما يساعد على التفاهم والإصلاح.

8. **احذر الفتنة داخل الأسرة:** إن نقل الكلام بين الزوجين أو الإخوة أو الأقارب قد يهدم بيوتاً، ويقطع أرحاماً، ويفسد علاقات كان يمكن إنقاذها بالحوار والصدق. فلا تسمح لأحد أن يستغل ثقتك لإشعال الخلافات داخل أسرتك.

9. **تذكّر أن للكلمة عواقب:** قد ينسى الإنسان ما قاله، لكن الآخرين قد لا ينسون أثره في نفوسهم. وقد يعتذر بعد فوات الأوان، بعدما تكون الثقة قد انهارت والصلات قد انقطعت. لذلك، فكّر في عاقبة كلامك قبل أن تنطق به.

10. **بادر إلى التوبة وإصلاح ما أفسدت:** من وقع في النميمة أو نقل الأكاذيب أو ظلم الآخرين، فعليه أن يتوقف عن ذلك، ويصحح ما نشره من معلومات كاذبة، ويسعى إلى جبر الضرر ورد الحقوق إلى أصحابها. فالتوبة الصادقة لا تقتصر على الندم، بل تشمل ترك الذنب والعمل على إصلاح آثاره.

11. **لا تيأس من الإصلاح بين المتخاصمين:** قد تبدو بعض الخلافات مستعصية، لكن الكلمة الطيبة والاعتذار الصادق والإنصاف قد تفتح أبواباً أُغلقت طويلاً. وليس الإصلاح ضعفاً أو تنازلاً عن الحق، بل هو سعي حكيم إلى إنهاء العداوة مع حفظ الحقوق والكرامة.
12. **حاسب نفسك قبل أن تحاسب الآخرين:** اسأل نفسك قبل نقل أي كلام: هل أنا متأكد من صحته؟ وهل في نقله مصلحة حقيقية؟ وهل أقبل أن يُنقل عني الكلام بالطريقة نفسها؟ وهل أسعى إلى الإصلاح أم أزيد الخلاف اشتعالاً؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تمنع كثيراً من الظلم والندم.
إن الفتنة بين الناس لا تضر ضحاياها وحدهم، بل تضر صاحبها أيضاً؛ إذ تفقده ثقة الآخرين واحترامهم، وتحمّله مسؤولية ما ترتب على كلامه من أذى وظلم. وقد جاء الوعيد الشديد في السنة بشأن النميمة، أما الحكم على الأشخاص بأعيانهم ومصيرهم في الآخرة فهو إلى الله سبحانه وتعالى، العليم بالسرائر، الذي يقبل التوبة ويقضي بالعدل.
فما أجمل أن يكون الإنسان سبباً في جمع القلوب بعد تفرقها، وإزالة الشكوك بعد انتشارها، وإعادة الثقة بعد اهتزازها. وما أقبح أن يعرف المرء طريق الإصلاح ثم يختار الإفساد، وأن يستطيع إطفاء نار العداوة ثم يزيدها اشتعالاً بكلمة أو شائعة.
فلنجعل الصدق أساس حديثنا، والتثبت منهجنا، والعدل ميزاننا، والإصلاح غايتنا، ولنتذكر دائماً أن سلامة المجتمع تبدأ من سلامة ألسنتنا وقلوبنا، وأن الكلمة الطيبة قد تصلح ما أفسدته سنوات من الخصام.
*🤲 دعاء الجمعة:*
اللهم في هذه الجمعة المباركة، طهّر ألسنتنا من الكذب والغيبة والنميمة والبهتان، وطهّر قلوبنا من الحقد والحسد وسوء الظن، واحفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم إنا نعوذ بك من أن نظلم أحداً، أو نفترِي عليه، أو ننقل عنه ما يسيء إليه، أو نكون سبباً في قطع رحم أو تفريق أسرة أو إفساد صداقة. اللهم اجعل كلامنا صدقاً، وأعمالنا صلاحاً، ونياتنا خالصة لوجهك الكريم.
اللهم أصلح ذات بيننا، وألّف بين قلوبنا، واهدنا سبل السلام، وأخرج من قلوبنا الشحناء والبغضاء، وأبعد عنا أهل الفتنة والإفساد، وارزقنا الحكمة في القول والعمل، والبصيرة في التمييز بين الحق والباطل.
اللهم من أساء إلينا فاهدِه إلى الحق، ومن ظلمناه فاغفر لنا وأعنّا على رد حقه، ومن وقع بيننا وبينه خلاف فأصلح ما بيننا وبينه بالحق والعدل والإحسان. اللهم أعنّا على التوبة الصادقة، وإصلاح ما أفسدناه، ورد المظالم إلى أهلها.
اللهم اجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، ودعاةً إلى المحبة والسلام، وساعين إلى الإصلاح بين الناس، واحفظ أسرنا وأهلينا وأصدقاءنا ومجتمعاتنا من الفتن والفرقة والعداوة. واغفر لنا ولوالدينا ولمن نحب، وارحم عبادك أجمعين، يا أرحم الراحمين.
جمعة مباركة، جعلها الله جمعة خير وسلام ومحبة وإصلاح بين الناس، ورزقنا فيها قلوباً سليمة وألسنة صادقة ونفوساً تسعى إلى جمع الكلمة لا تفريقها.
#رسائل_الجمعة_فخرالدين

زر الذهاب إلى الأعلى