
رشا عوض
ان الجانب المهم جدا الذي يجب ان ينشغل به العرب من الانتخابات الاسراائيلية هو الاتي:
ان هناك انتخابات تجري بصورة دورية ومنتظمة مهما تعقدت الظروف سلما أو حربا ، وفي أجواء ديمقراطية يستفيد منها حتى الفلسسطينيون ( بالمناسبة هناك احزاب ذات مرجعية اسلامية تتنافس على مقاعد الكنيست عبر القائمة الموحدة) ، فالاستحقاق الانتخابي هناك هو الذي يعلو فوق صوت المعركة!
ولذلك هم ينتصرون في معاركهم!
اما في المنطقة العربية ، فرغم علو صوت المعركة على كل شيء ، على الديمقراطية، على حقوق الانسان ، على اصوات المظلومين والمسحوقين والجوعى ، على صرخات القابعين في غياهب التعذيب!
صوت المعركة يعلو حتى على الاصوات العاقلة داخل النظم الحاكمة وتقدم لها نصائح ذات طابع فني وبراغماتي لمصلحة النظام المستبد نفسه !
مثلا تقدم جنرالات من الجيش العراقي بنصيحة لصدام حسين نابعة من واقع خبرتهم العسكرية الفنية البحتة، مفادها ان الدخول في معركة مع قوات التحالف الدولي بقيادة امريكا ستكون نتيجتها الحتمية هزيمة الجيش العراقي وتحطيمه ، وان خيار الانسحاب من الكويت استباقا للحرب التي كانت على الابواب هو الافضل، من اجل المحافظة على العراق وجيشه ، كان الرد رصاصة في رأس كل اولئك الحادبين وكل من تجرأ على موافقة هذا الرأي! وجميعهم بعثيون كانوا يعشقون صدام وكانوا يرغبون فقط في حمايته من جنونه! ولكن كان الشعار حينها لا صوت يعلو فوق صوت المعركة التي كان اسمها ام المعارك ! فلا عجب ان تحولت الى ام التقهقرات والانكسارات!
رغم كل هذا العلو المزعوم لصوت المعركة، ظل العرب يتلقون الهزيمة تلو الاخرى! حتى تراجعوا جميعا الى حالة اللامعركة! واصبح شعارهم الجديد هو : لا صوت يعلو فوق صوت اللامعركة !!
انهزموا في الحرب! كما انهزموا في السلام ! والسبب المفتاحي في عبارة ” لا صوت” اللعينة هذه !
فلا شعب يمكن ان ينتصر وهو مكتوم الصوت ! صوت الشعب يجب ان يكون عاليا مستعليا على كل شيء حتى المعركة! لان المعارك التي تجعل وسيلتها في الانتصار هي كتم اصوات شعوبها هي معارك خاسرة وفاقدة للقيمة حتى لو حققت نصرا عسكريا!
لا صوت يعلو فوق صوت المعركة كانت ترجمتها في الواقع العربي هي: ان لا صوتا نقديا في السياسة او الادارة او الاقتصاد ، لا صوت ضد الفساد والمحسوبية! ولا صوت للخبرة العملية وللمعرفة الموضوعية وللاعتبارات الفنية وان صدرت من داخل منظومة الاستبداد نفسها !
ولا صوت يعلو مطالبا بمناقشة أسباب الهزيمة لان الهزيمة نفسها تتحول عبر الغوغائية والشعبوية الطائشة وكتم صوت العقل الى نصر! وبالتالي تتكرر ذات الهزائم وذات الاحتفالات بالانتصارات المزعومة الوهمية! التي لا يجرؤ احد على مساءلتها!!
مثلا ، لا احد يجرؤ على السؤال عن الاسباب المنطقية التي تجعل معركة كطوفااان اللاقصى انتصارا تاريخيا ! وقد فقد فيها الفلسسطينيون سبعين الف قتيل وضعفهم من الجرحى ومدينة كاملة سويت بالارض وتم احتلال نصفها ! وحركة حممااس تتفاوض ليس على دولة فلسسطينية من النهر الى البحر او في حدود ١٩٦٧ م او حتى في حدود غززة!!
بل تتفاوض على تسليم سلاحها وتفكيك سلطتها وقواعدها العسكرية ! على فتح المعابر ومساحات التمدد الاحتلالي داخل غززة!!
السؤال تخذيل!
والنقاش الموضوعي خيانة عظمى!
ومساءلة حماااس عن الهزيمة العسكرية كفر يستوجب حد الردة!
ان اي أمة لا تتعقل أسباب هزيمتها، ولا سيما الاسباب الذاتية التي تخصها، فهي موعودة بمزيد من الهزائم !
مؤكد سوف يتلقف مقالي هذا أصحاب ” العاهات الادراكية والاخلاقية” لاتهامي بعدم التعاطف مع القضية الفلسسطينية، وهي عادلة بلا ادنى شك، بل واتهامي بالعمالة للكيان ، ولذلك كان لزاما علي مشاركة صورة لمنشور سابق يجلي موقفي السياسي والاخلاقي من القضية الفلسسطينية في التعليقات.
انني كسودانية، وبحكم الموقع الهامشي لوطني العزيز في المخيلة العربية، لست في موقع يؤهلني لاسداء النصح للعرب او التأثير على وعيهم بخصوص النفق الحضاري المظلم الذي هم داخله الآن ولا تلوح في الافق مؤشرات لخروجهم منه في المدى المنظور ، ربما يحدث ذلك بعد قرن او قرنين والله اعلم.
،ولكن ما يدفعني لتشريح بعض جوانب الواقع العربي هو ذلك الاشتباك الذي ما زال حاضرا في توجهات سياسية سودانية مع القضية الفلسطينية ، ليس من موقع حقوقي وانساني ، بل من مواقع عروبية واسلاموية ايدولوجية، تتسم بمغالاة ومبالغات تغذيها ” عقدة الهوية” التي تجعل السوداني مندفعا بطاقته القصوى لاثبات انه ليس فقط عربيا ومسلما بل هو حامي حمى العروبة والاسلام وحاديا لركب العرب والمسلمين في معاركهم ، هذا الحمااس الساذج البريء، لم يقتصر على مظاهر تعاطف شعبي عفوية مع الفلسسطينيين كتلك الموجودة في كثير من دول العالم بما فيها اسراائيل نفسها، ولكن الاندفاع وجد طريقه الى سياسات الدولة السودانية وورطها في مواجهة مفتوحة مع الدولة العبرية ، مواجهة لا تقتضيها مصلحة الدولة السودانية، بل هي مواجهة فرضتها طبيعة الثقافة السياسية للنخبة السودانية التي يغيب عنها وعي المصلحة وتسيطر عليها – ببركات اليمين واليسار معا – الرومانسيات العروبية، ففي الستينات استقبل السودان الجنود والخبراء العسكريين المصريين و الطائرات العسكرية المصرية لابعادها من الاستهداف الاسراائيلي ، والآن الطيران المصري الذي كانت ارضنا ملاذا له ذات يوم، يقصف اراضينا ويقتل مواطنينا من اجل الاستيلاء على ذهبنا! وذات الطيران قصف الانصار في الجزيرة ابا مطلع السبعينات! تصدي حكومة حزب الامة بقيادة المحجوب لمساندة مصر وقت ازمتها في ١٩٦٧ لم يشفع لانصار حزب الامة ويصرف عنهم حمم الطيران المصري المساند لدكتاتورية نميري!
ارسل السودان جنوده للقتال في كل معارك مصر مع اسراائيل، وتصدى لخوض معارك العرب السياسية والدبلوماسية باقصى قوة تجلت في مؤتمر اللاءات الثلاثة بعد هزيمة ١٩٦٧ ، فماذا جنى السودان من ذلك سوى انه وضع دولته في عين عاصفة ما زالت تعصف به حتى الان؟ هل تغيرت نظرة مصر له كحديقة خلفية او كحظيرة لا ادري ؟ هل تغيرت نظرة العرب عموما للسودان كهامش منسي ؟
بعد انحسار موجة المد العروبي ، وتراجع مصر نفسها عن عنتريات الناصرية ، وتوقيعها لاتفاقية كامب ديفد للسلام وتطبيعها الكامل مع اسسرائيل، وتسابق بقية الدول العربية نحو التطبيع بعد اتفاقيات مدريد واوسلو ، حلت على السودان كارثة حكم ” الإسلام السياسي” التي ادخلتنا وبرعونة اكبر في صراعات اقليمية كارثية ، عبر احتضان الجماعات الإرهاابية، والتورط في تفجير السفارتين الامريكيتين في نيروبي ودار السلام ، وصولا الى عمليات تهريب السلاح لحززب الله وحركة حمااس عبر الاراضي السودانية ثم المصرية، وتخصيص ملايين الدولارات من مال شعبنا المسحوق بالفقر للحركات الجهااادية، كانت النتيجة لكل ذلك الحصار والعقوبات الاقتصادية لعقدين من الزمان وحرمان بلادنا من فرص التنمية والتطور العلمي والتكنولوجي نتيجة العزلة!
اي قراءة عقلانية لسياسة السودان الخارجية تقتضي الاتفاق على انه قد ” آن اوان التغيير” ، وآن اوان ” تعظيم وعي المصلحة” وتصميم السياسات الخارجية على خدمة الدولة السودانية، وفي هذا السياق لا بد من الاخذ بعين الاعتبار تراكمات العبء الثقيل الذي وضعناه على كاهل دولتنا ممثلا في مواجهات خطيرة وغير محسوبة، آن الاوان لازالة هذا العبء عن كاهل السودان ، والتحرر من استلاب العقل السياسي السوداني لسرديات الايدولوجيات العروبية والاسلاموية التي تراجعت واندحرت في عقر دارها ، وتحرر هذا العقل من التبعية العمياء لمصر، فيجب من الآن فصاعدا ان نتفق على ” مركزة السودان ارضا وشعبا ومصالح ” في تفكيرنا ، فقد ظلت ” مركزية السودان” بمعنى ان تكون المصلحة السودانية هي محور دوران السياسة السودانية غائبة عن عقلنا السياسي حينا من الدهر وما زالت غائبة حتى الان الى حد كبير رغم بعض بشائر اليقظة والتفكير خارج الصناديق القديمة .
لا بد ان تكون المصلحة الوطنية هي الغاية التي لا يعلى عليها، وان يكون معيار النجاح السياسي هو تحقيق سلام وامان ووحدة وتنمية ونهضة السودان ورفاه شعبه في المقام الاول، السودان يجب ان يكون غاية مقصودة في ذاتها ، لا وسيلة تكتسب قيمتها من حراسة البوابة الجنوبية لمصر، ولا من خدمة القضايا العروبية والاسلاموية والتطلع لريادة مستحيلة في النادي العربي والاسلامي الذي قرر التاريخ ان يضعنا في هامشه! فلماذا لا نستثمر هامشيتنا هذه- وهي امر واقع لن يتغير مهما تنطعنا في تبني قضايا العرب- نستثمر هامشيتنا لخلق مركزيتنا الخاصة جدا ، ونبحث في وشائج وحدتنا وتماسكنا كشعب يسكن هذه الرقعة الجغرافية من العالم ، فنجتهد في ان تكون بلادنا سالمة وامنة ومنتجة ومتطورة ، تحتضن تنوعنا واختلافاتنا ، عندما تنضج ” مركزية السودان” في فكرنا السياسي ، فان هذا لا يعني ان السوداني ليس من حقه ان ينتمي لفكر عروبي او اسلامي او ماركسي او افريقاني بشكل مطلق ومتعسف ، فالسودان كجزء من العالم المعاصر من الطبيعي ان تجد مختلف الافكار والفلسفات في عالم اليوم طريقها اليه. وبما ان في السودان اقلية عربية، وفيه ملايين من المستعربين استعرابا ثقافيا عميقا ، كما فيه اغلبية مسلمة ، فمن الطبيعي ان تكون الثقافة العربية و الاسلامية جزء من مكونات هويته الوطنية ولكن دون ان يكون ذلك المكون مستعليا ونافيا لغيره من المكونات الاصيلة في البلاد.
النضج الوطني الذي يعمق التمركز حول الدولة السودانية ومصالحها الجيوسياسية والاقتصادية يعني توظيف اي توجه فكري وسياسي لخدمة السودان، لا توظيف السودان واهدار طاقاته وموارده ومصالح الدولة السودانية لخدمة الخارج انطلاقا من ارتباطات ايدولوجية ، وتعلقا رومانسيا بهوية نحن نقبع في هامشها السياسي والاجتماعي مهما فعلنا، في حين ان هذا الخارج الذي يمثل منبع هذه الايدولوجيات لا يضحي بمصالحه من اجلنا او من اجل تلك الايدولوجيات ، وفي حين ان الدول التي تمثل مراكز الهوية العربية الاسلامية نفسها تعلي مصالحها كدول وطنية وعلى هذا الاساس تسالم او تحارب او تفاوض.



