
17 فبراير 1985 – كانت المفاجأة تامة بالنسبة لمكاتب الصرافة الخاصة بالخرطوم، وعددها 23 مكتب صرافة مملوكة للأفراد والشركات، مسموح لها باستبدال الجنيه السوداني بالدولار والتعامل في العملات الحرة. فقد أحاط بها رجال أمن الدولة حوالي الساعة الثانية من يوم الأربعاء 6 فبراير، ووضعوا أيديهم على الأموال الموجودة بخزائنها. وبذلك تم لرجال الأمن استلام العملات الموجودة بهذه الصرافات وتسليمها لمندوبي البنوك التجارية الأربعة المعروفة (بنك الخرطوم – بنك النيلين – البنك التجاري – بنك الوحدة).
وكان مسؤول بالإدارة الاقتصادية بجهاز أمن الدولة قد حذّر أصحاب هذه الصرافات بشكل معلن في الأسبوع السابق على الإغلاق من أية ممارسات خاطئة، وهدد باتخاذ إجراءات صارمة ضد مرتكبي هذه الممارسات تصل إلى حد التعرض لاتهامات بتخريب الاقتصاد الوطني السوداني.
وقد صدر هذا التحذير إثر التصاعد الجنوني لسعر صرف الدولار، وبالتالي العملات الحرة الأخرى، في مقابل الجنيه السوداني الذي تعرّض لتخفيض قيمته أكثر من مرة، كان آخرها في شهر أكتوبر الماضي عندما صار الدولار يعادل 210 قروش سودانية بقرار من محافظ بنك السودان، بعد أن أصبح سعره الفعلي في سوق العملة الحر والصرافات الخاصة أكثر من ذلك بقليل.
إلا أنه بعد إعلان التخفيض الأخير، الذي جاء تحقيقاً لمطالب المصدرين بموازنة سعر صرف الجنيه السوداني في مقابل العملات الحرة بالبنوك الرسمية مع سعر الصرف الفعلي السائد في سوق العملات لدى الصرافات ومسايرة العملة، فإن سعر صرف الدولار قفز إلى أرقام ارتفعت يوماً بعد يوم وبشكل مجنون ومحموم، حتى وصل سعر الدولار قبيل إغلاق الصرافات مباشرة إلى ما يتراوح بين 470 إلى 490 قرشاً،
وكانت التوقعات تشير إلى حتمية بلوغه خمسة جنيهات سودانية صحيحة.
وهذا التصاعد الجنوني لسعر الدولار، وكذلك الجنيه المصري، أزعج المسؤولين ورجال الأعمال والتجار، وعلى الأخص المصدرين.
وقال السيد هاشم البرير، رئيس اتحاد المصدرين السودانيين، إن ندرة الدولار في السوق الرسمي لدى بنك السودان والبنوك التجارية الأخرى هي السبب في هذا التصاعد، إلى جانب قلة الإنتاج وتوقف الصادرات، لأنه بدون صادرات لن يكون هناك عائد من النقد الأجنبي. والصادرات هي البقرة الحلوب لاستقطاب الدولار. ويجب أن تكرّس الدولة اهتمامها لتنشيط وتحفيز الصادرات السودانية للخارج، لأن الصادرات تتعرض لعقبات كثيرة، ولا يمكن للروتين والقرارات الصادرة من داخل المكاتب بشكل لا يلمس حقائق الأمور أن تضع سياسة لاستمرارية الصادرات. ولا بد، إذا أُريد ذلك، أن تتصل الدولة بالعاملين في هذا المجال الذين هم أدرى بما يعانون من مشاكل في المحافظة على استمرارية تدفق الصادرات الوطنية.
وأضاف رئيس اتحاد المصدرين السودانيين أننا كمصدرين لا يضيرنا أن نأكل (كسرة وأم رقيقة) ونلبس من إنتاجنا الوطني لكي تكون سمعتنا الاقتصادية في المكان المناسب، حتى يواجه السودان متطلباته عن طريق الصادرات. لقد انعدمت الرقابة مؤخراً على أسعار السلع وعلى سوق العملات، فإلى أين المسار إذا توارى بنك السودان أمام تجار العملات في السوق السوداء الذين يتحكمون في أسعار الدولار، وأصبحوا يسيطرون على قوت الشعب، وأصبحت تجارتنا الخارجية في أيدي مهربي العملات؟ إذ كيف تستقيم أمور الصادرات بقرار بنك السودان بتحديد سعر صرف الدولار عند 210 قروش، بينما السوق قد ارتفع إلى 470 قرشاً للدولار الواحد؟
ضغوط من شركات الطيران
ويقول الدكتور علي الصاحب، رئيس الاتحاد الفرعي لأصحاب وكالات السفر والسياحة بالسودان: لقد زاد سعر الدولار بنسبة 62٪ من أصل تذاكر الطيران مقارنة بالسابق، وهذا قد أثّر تأثيراً سلبياً على الطلب، والركود الذي ينتج عن ذلك يتحدد بثلاثة عناصر: فإما أن يستوعب الناس الزيادة في أسعار التذاكر ويتعاملوا معها بحذر، أو يحدث في المقابل انتعاش اقتصادي يقارب فئة الزيادة. وقد برزت، منذ تخفيض الجنيه السوداني في أكتوبر الماضي وزيادة أسعار الطيران بنسبة 62%، ظاهرة زيادة السفر إلى مصر، وهي الدولة الأقرب للسودان، ويحكمها سعر تكاملي للتذكرة.
وأضاف الصاحب أن حجم العائد من خدمات السفر، التي يتخصص فيها الاتحاد الفرعي وأعضاؤه، قد تأثر بشكل مباشر من الزيادة في أسعار العملة، فحسب التقديرات كان المفترض أن يزداد هذا الحجم بمعدل 8% إلى 13% تقريباً بشكل متصاعد، ولكن حجم السفر قد تناقص بنسبة 40%، وستكون خسارة وكالات السفر توازي 55%، وسيدفع ذلك شركات الطيران إلى الإقلال من سفرياتها من وإلى السودان.
وقد برزت ظاهرة قيام المغتربين السودانيين بشراء تذاكر السفر من الخارج بدلاً من شرائها في السودان، وحتى المواطنين المقيمين الراغبين في السفر أصبحوا يشترون تذاكر السفر من شركات الطيران في الخارج عن طريق أقاربهم ومعارفهم. وأود أن ألفت النظر إلى أن شركات الطيران تقوم بتحويل قيمة تذاكرها عن طريق شراء الدولار من السوق الحر والصرافات الخاصة، وقد سبّب ذلك ضغطاً على المعروض من الدولار في السوق، فساهم في ارتفاع قيمته.
وكان بنك السودان قد أصدر منشوراً للبنوك التجارية مؤخراً بأن توقف بيع النقد الأجنبي، ويسمح لها بشرائه فقط عن طريق الصرافات التابعة لها، وتتردد شائعات عن ممارسات خاطئة لبعض الصرافات الخاصة وبعض البنوك الأجنبية، وشائعات أخرى تفيد بأن بنك السودان طلب كمية من الدولارات من السوق الحر مما زاد الطلب على الدولارات. إلا أن الواضح أن ارتفاع أسعار العملات الأجنبية كان ارتفاعاً غير معقول نتيجة شراء الدولارات وتصاعد أسعارها بشكل مفتعل لإغراق الجنيه السوداني تماماً، مما أعطى الأساس لإشاعة أن تخفيضاً جديداً سيطرأ على قيمته.
كل ذلك أدى لأن يدرس المجلس الأعلى للاقتصاد الوطني، الذي يترأسه الرئيس جعفر نميري، مسألة الصرافات الخاصة. وأصدر السيد فاروق المقبول، محافظ بنك السودان، بعد اجتماع لهذا المجلس، قراراً بإلغاء تراخيص الصرافات الخاصة الممنوحة للأفراد والشركات، على أن يقتصر التداول في النقد الأجنبي على البنوك التجارية المعتمدة، وأصدر بياناً شارحاً فيه: (أن بعض الصيارفة المصدق لهم قد جنح لتغليب مصلحته الذاتية دون اعتبار للدور الاقتصادي الهام الذي يمكن أن يحققه التعامل الحر، وأصبح هدفه الأساس الحصول على أكبر قدر من النقد الأجنبي واكتنازه والتجارة فيه كسلعة، مما أوجد جواً مفتعلاً من الندرة وارتفاعاً جنونياً لأسعار العملة لا تبرره الاعتبارات الاقتصادية الموضوعية).


