الأعمدة

نظام الإنقاذ والحركة الإسلامية وقيادة الجيش.. فلسفة صناعة المليشيات وإضعاف القوات المسلحة

هل تغير النهج بعد عزل عمر البشير أم فقط تغيرت الأسماء؟!

..

✍️ محمد الفاتح حضرة
🛑 تحالفات قادة الجيش مع الميليشيات والحركات المسلحة.. كيف أسهمت في إطالة أمد الحرب وإجهاض التحول المدني والانتقال الديمقراطي؟ ومن المستفيد من استمرارها على حساب الشعب السوداني؟! 🤔💢‼️
هل كانت الدولة السودانية عاجزة عن بناء جيش وطني محترف، قادر على مواجهة التمرد المسلح وحماية البلاد، حتى تلجأ إلى إنشاء المليشيات والكتائب وتسليحها، ثم تمنحها من القوة والنفوذ ما يجعلها جيوشاً موازية للقوات المسلحة؟! 🤔
وهل كان السودان يفتقر إلى الموارد والكفاءات والقدرات العسكرية اللازمة لتطوير قواته المسلحة، أم أن نظام الإنقاذ قد إختار منذ البداية فلسفة مختلفة في إدارة القوات المسلحة السودانية ، تقوم على التوسع في إنشاء المليشيات والقوات الموازية للجيش، وتوظيفها في حماية النظام ومواجهة خصومه؟!
🤔 وإذا كان ذلك هو النهج الذي اتبعه نظام الإنقاذ والحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني طوال سنوات حكمهم، فهل تغيرت هذه الفلسفة بعد سقوط البشير، أم أن قيادة الجيش قد واصلت تنفيذ المنهج نفسه، حتى وجدنا أنفسنا أمام حرب مدمرة بين الجيش والدعم السريع، ثم أمام مزيد من المليشيات والكتائب والقوات المسلحة الموازية؟!
في تقديري، إن الجنرال البرهان وقيادة الجيش الحالية ليسوا مجرد قادة ورثوا منظومة الإنقاذ العسكرية، ثم أخفقوا في إصلاحها، وإنما هم امتداد سياسي وعسكري لتلك المنظومة، وقد واصلوا تنفيذ فلسفتها بعد ثورة ديسمبر، بأدوات وتحالفات وظروف مختلفة.
أولاً: من المراحيل والدفاع الشعبي والجنجويد إلى الدعم السريع.. كيف تأسست فلسفة صناعة المليشيات في السودان ؟!
منذ إستيلاء الحركة الإسلامية على السلطة في يونيو 1989، اتجه نظام الإنقاذ إلى التوسع في إنشاء المليشيات والكتائب والقوات الموازية للقوات المسلحة السودانية.
بدأ ذلك بقوات الدفاع الشعبي، والاستعانة بالمليشيات القبلية، مروراً بالمراحيل والجنجويد في حرب دارفور، وصولاً إلى إنشاء قوات الدعم السريع عام 2013، ثم منحها وضعاً قانونياً بموجب قانون عام 2017.
ولم تكن المشكلة في مجرد الاستعانة بقوات مساندة لمواجهة التمرد المسلح، وإنما في إنشاء قوات عسكرية ذات قيادات مستقلة، وإمكانات اقتصادية ونفوذ سياسي وعسكري، أصبحت تنافس القوات المسلحة في الرجال والسلاح والموارد.
وهنا يبرز السؤال:
🤔 لماذا لم يتجه نظام الإنقاذ والحركة الإسلامية إلى تطوير القوات المسلحة وزيادة أعداد جنودها، وتأهيل قوات المشاة، وتحديث أسلحتها وقدراتها القتالية، بدلاً من التوسع في إنشاء المليشيات والكتائب الموازية؟!
وهل كان ذلك مجرد اختيار عسكري مؤقت لمواجهة التمرد، أم أنه ارتبط بفلسفة نظام الإنقاذ في إدارة السلطة، وبناء منظومة من الميليشيات المسلحة المتعددة التي تضمن حماية النظام وإستمرار نفوذه؟!
في تقديري، لم يكن إنشاء هذه الكتائب والميليشيات مجرد معالجة عسكرية لمشكلة التمرد، وإنما كان جزءاً من فلسفة حكم اعتمدت على تعدد المليشيات والكتائب المسلحة، بدلاً عن بناء مؤسسة عسكرية وطنية واحدة، مستقلة ومهنية.
ثانياً: ثورة ديسمبر وسقوط البشير.. لماذا واصلت قيادة الجيش تنفيذ ذات منهج نظام الإنقاذ والحركة الإسلامية ؟!
بعد سقوط عمر البشير في أبريل 2019، كانت أمام قيادة الجيش فرصة تاريخية لإنهاء منظومة المليشيات التي أسسها نظام الإنقاذ، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية، ووضع جميع القوات المسلحة تحت قيادة وطنية موحدة.
لكن ما حدث كان مختلفاً تماماً وعجيباً‼️
لم يكن استمرار الدعم السريع في المشهد السياسي والعسكري بعد الثورة أمراً كان قد حدث من تلقاء نفسه، وإنما قيادة الجيش السوداني هي من قررت ذلك ، وتعمدت منح الدعم السريع دوراً سياسياً وعسكرياً مؤثراً في المرحلة الانتقالية.
فقد حرص الجنرال إبن عوف وقادة المجلس العسكري الانتقالي على إدخال حميدتي وقوات الدعم السريع في المجلس العسكري الإنتقالي، ثم جعلوا حميدتي من بعد ذلك نائباً لرئيس المجلس، ومشاركاً في إدارة المرحلة الانتقالية وطرفاً أساسياً في منظومة الحكم.
ومما يكشف إستراتجية قادة الجيش في تحصين قوات الدعم السريع من الدمج والحل بواسطة الحكومة الإنتقالية، هو ذلك الذي فعله الجنرال البرهان حيث إتخذ في 30 يوليو 2019 قراراً بإلغاء المادة الخامسة من قانون قوات الدعم السريع لسنة 2017، وذلك قبيل وقت قليل من توقيع الوثيقة الدستورية والاتفاق السياسي مع قوى الحرية والتغيير.
كانت المادة 5 تتضمن أحكاماً تتعلق بإخضاع الدعم السريع لقانون القوات المسلحة في حالات الحرب والطوارئ، وإمكانية دمجه فيها.
🫵وبذلك التعديل أزال البرهان نصاً قانونياً مهماً كان يتيح إخضاع الدعم السريع لأحكام قانون القوات المسلحة في تلك الظروف.
🤔 لماذا اتخذ البرهان هذا القرار في ذلك التوقيت؟!
ولماذا لم تكن الأولوية لتوحيد القوات المسلحة وإنهاء تعدد الجيوش، بدلاً من الإبقاء على الدعم السريع قوة مستقلة، ثم منحه حضوراً سياسياً ودستورياً في المرحلة الانتقالية؟!
في تقديري، لم يكن ذلك مجرد خطأ في تقدير الموقف السياسي أو العسكري، وإنما كان استمراراً لمنهج نظام الإنقاذ والحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني، الذي قام على الإبقاء على قوات الدعم السريع قوة مسلحة موازية للقوات المسلحة وخاضعة لسلطان جماعة الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني .
لقد كان قادة الجيش يتعاملون مع الدعم السريع باعتباره قوة يمكن توظيفها ضمن منظومة الحكم، ولم يتصوروا أن هذه القوة التي أسهموا في تحصينها وتمكينها يمكن أن تتمرد عليهم وتدخل معهم في حرب مدمرة.
وقد ظهر تحالف البرهان وحميدتي في انقلاب 25 أكتوبر 2021، حين قاما معاً بتقويض النظام الدستوري والإنقلاب علي الحكومة الانتقالية، وتعطيل مسار التحول المدني الديمقراطي.
وهكذا استمر النهج نفسه، وتواصلت الشراكة بين قيادة الجيش والدعم السريع في إدارة السلطة، قبل أن تنفجر الخلافات بينهما وتتحول إلى حرب في 15 أبريل 2023.
ثالثاً: حرب أبريل.. بدلاً من إنهاء المليشيات، لماذا توسعت قيادة الجيش في صناعتها ودعمها؟!
المفارقة الأكبر أن اندلاع الحرب بين الجيش والدعم السريع لم يؤدِّي إلى مراجعة فلسفة الإنقاذ العسكرية، وإنما شهدنا توسعاً كبيراً في إنشاء وتسليح ودعم المليشيات والكتائب والقوات المسلحة المساندة للجيش.
وهنا تبرز مسؤولية الجنرال البرهان وقادة الجيش السوداني بصورة خاصة.
فبدلاً من أن تكون الحرب دافعاً لإعادة بناء القوات المسلحة، وزيادة أعداد جنودها، وتحسين قدراتها القتالية والتسليحية واللوجستية، اتجهت القيادة الحالية للجيش إلى توسيع دائرة الاعتماد على المليشيات والقوات ذات القيادات المستقلة ‼️💢.
وقد شمل ذلك بصفة أساسية الاستعانة بالحركات المسلحة التي كانت في السابق تقاتل نظام الإنقاذ، وفي مقدمتها حركتا مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم، والقوات التابعة لهما، إلى جانب قوات مالك عقار وقيادات أخرى، وقوات حركة مصطفى تمبور.
كما شهدنا استقطاب مجموعات مسلحة أخرى، من بينها قوات درع السودان بقيادة أبو عاقلة كيكل، ومجموعات البراء بن مالك المرتبطة بالحركة الإسلامية، ومجموعات موسى هلال والنور القبة والسافنا وغيرها في شرق وشمال السودان .
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل توسعت جماعة الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني في تعبئة وتسليح أنصارهم تحت مسمى المقاومة الشعبية، وأصبحت هذه التعبئة إحدى أهم أدواتهم العسكرية والسياسية خلال الحرب.
وهنا لا بد من التساؤل:
🤔 لماذا تتوسع قيادة الجيش في إنشاء ودعم هذه المليشيات والكتائب، بدلاً من توجيه الأولوية إلى زيادة أعداد القوات المسلحة النظامية وتطوير قدراتها؟!
وهل أصبح إنشاء المليشيات بديلاً عن بناء الجيش الوطني؟!
إن أخطر ما في هذا المنهج أنه سيعيد إنتاج المنظومة نفسها التي أسسها نظام الإنقاذ، ويجعل البلاد أمام تشكيلات مسلحة متعددة، لكل منها قيادتها وولاءاتها وحساباتها ومصالحها الخاصة .
رابعاً: من الذي يدفع مرتبات المليشيات والكتائب؟!
ولماذا لا تُنفق أموال الشعب على تقوية الجيش الوطني ؟!
هذه من أهم القضايا التي أرى ضرورة مساءلة قيادة الجيش بشأنها.
إن إنشاء المليشيات والكتائب وتسليحها وتدريبها وإمدادها لا يتم دون أموال طائلة، كما أن استمرارها في القتال يتطلب مرتبات ومخصصات شهرية ووقوداً وعربات وذخائر وإمدادات لوجستية.
ومن أين تأتي هذه الأموال؟!
إن قيادة الجيش التي استبدت بحكم السودان منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021، تتحمل مسؤولية إدارة الموارد العامة والإنفاق على المجهود الحربي، كما تتحمل مسؤولية توضيح أوجه الصرف على القوات والحركات المسلحة التي تقاتل إلى جانبها.
لقد زادت أعداد قوات الحركات المسلحة التابعة لمناوي وجبريل وتمبور، كما توسعت القوات التابعة لمالك عقار وغيرها، وزادت أعداد العربات العسكرية والأسلحة والإمكانات التي تستخدمها هذه القوات.
وهذه التشكيلات تحتاج إلى تمويل مستمر، ومرتبات ومخصصات وإمدادات تتحمل الدولة جانباً أساسياً منها.
وفي المقابل، توسعت ما تسمي بالمقاومة الشعبية والمجموعات والكتائب المرتبطة بالحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني، وأصبحت جزءاً من منظومة التعبئة والتسليح التي تتم تحت إشراف قيادة الجيش.
وقد أشارت تقارير دولية إلى إنشاء لجان للتنسيق بشأن تجنيد وتسليح وتمويل قوات المقاومة الشعبية، كما كشفت تقارير صحفية عن حجم تغلغل الحركة الإسلامية في هذه القوات وتوسع معسكرات تدريبها.
وهنا أطرح السؤال الذي أراه جوهرياً:
🤔 لماذا تُنفق قيادة الجيش أموالاً طائلة من موارد الدولة ومال الشعب السوداني على مرتبات ومخصصات هذه المليشيات والكتائب، بدلاً من توجيه هذه الأموال إلى تحسين أوضاع جنود القوات المسلحة السودانية وزيادة أعدادهم ؟!
لماذا لا تُرفع مرتبات الجنود النظاميين، وتُحسّن أوضاعهم المعيشية، وتُوفر لهم احتياجاتهم العسكرية واللوجستية، وتُخصص حوافز حقيقية لاستقطاب الشباب السوداني للالتحاق بالقوات المسلحة؟!
لماذا يُترك الشاب السوداني يبحث عن مصدر رزق، فيجد أمامه مليشيا مناوي أو جبريل أو تمبور أو درع السودان، فتجذبه المرتبات والمخصصات والإمكانات التي توفرها هذه القوات، بينما كان من الممكن أن يجد هذه الفرصة داخل القوات المسلحة الوطنية؟! 🤔
أليس من الأجدى أن تُنفق هذه الأموال على زيادة أعداد جنود المشاة المدربين، وتطوير الوحدات النظامية، وتحديث التسليح، وتحسين قدرات الدفاع الجوي والتصدي للطائرات المسيّرة؟!
إن المسألة ليست نقصاً في أعداد الشباب السوداني، ولا انعداماً للكفاءات والقدرات البشرية، وإنما هي أيضاً مسألة أولويات في الإنفاق وإدارة المؤسسة العسكرية.
خامساً: أين ذهبت قدرات القوات المسلحة؟!
ولماذا تظل قدرات قوات المشاة والدفاع الجوي عاجزة عن حماية محطات الكهرباء والمنشئات الحيوية والاستراتجية ؟!
كشفت هذه الحرب عن اختلالات كبيرة في قدرات القوات المسلحة، خصوصاً في القوات البرية وأعداد جنود المشاة، والقدرة على الانتشار والسيطرة الميدانية، والإمداد واللوجستيات.
كما كشفت عن تحديات كبيرة في القدرات الجوية والدفاعية، مع الخسائر التي تعرض لها سلاح الطيران، وتطور قدرات الدعم السريع في استخدام الطائرات المسيّرة.
وها نحن نشهد بصورة متكررة هجمات بالطائرات المسيّرة على محطات الكهرباء والمنشآت الحيوية في السودان، تتسبب في تعطيل الخدمات الأساسية وقطع الكهرباء عن المواطنين ومفاقمة معاناتهم.
🤔 كيف يمكن لدولة أن تترك منشآتها الحيوية ومحطات الكهرباء عرضة لهذه الهجمات المتكررة، دون امتلاك منظومة دفاعية متكاملة قادرة على حمايتها؟!
وأين ذهبت الأولويات المتعلقة بتحديث الرادارات وأنظمة الرصد والإنذار المبكر والدفاع الجوي والتصدي للطائرات المسيّرة؟!
ولماذا لا تكون الأولوية لتطوير القوات المسلحة نفسها، بدلاً من التوسع في إنشاء المليشيات والكتائب وتسليحها وتمويلها؟!
إن بناء جيش قوي لا يبدأ بتكثير المليشيات، وإنما يبدأ بالاهتمام بالجندي السوداني، وتدريبه وتسليحه وتحسين أوضاعه، وتطوير قوات المشاة، وتحديث الأسلحة والمعدات، وبناء منظومة دفاعية وجوية متكاملة.
سادساً: هل أصبح البرهان رهينة للمليشيات والحركات المسلحة التي أسهم في تقويتها؟! وهل تقترب حروب جديدة؟!
ما يحدث اليوم يكشف عن مفارقة خطيرة.
فمني أركو مناوي يرفض علانية أي اتجاه من الجنرال البرهان للمساس بالمناصب والمكاسب التي حصلت عليها حركته المسلحة، وكذلك يفعل جبريل إبراهيم.
وهذه المواقف تكشف أن هذه الحركات لم تعد مجرد قوات مساندة للجيش، وإنما أصبحت قوى عسكرية وسياسية لها حساباتها ومصالحها وقياداتها المستقلة.
لقد أصبحت بعض هذه القوات أقوى عسكرياً وأكثر نفوذاً مما كانت عليه قبل اندلاع حرب 15 أبريل 2023، بعد أن حصلت على مزيد من السلاح والعتاد والإمكانات والموارد، بمشاركة ودعم قيادة الجيش.
والسؤال هنا:
🤔 هل يملك البرهان اليوم القدرة على رفض مطالب هذه الحركات، أو المساس بمكاسبها ومواقعها السياسية والعسكرية؟!
وهل يستطيع أن يطلب منها التخلي عن قواتها وسلاحها وامتيازاتها، بينما هو نفسه الذي احتاج إليها وأسهم في تقويتها خلال الحرب؟!
لقد شهد السودان تجربة الدعم السريع، وكيف تحولت قوة أنشأها نظام الإنقاذ ومكّنها سياسياً وعسكرياً، إلى قوة تنازع القوات المسلحة سلطتها وتدخل معها في حرب مدمرة.
ولذلك فإنني لا أستبعد أن تتكرر المواجهات المسلحة بين الجيش وبعض الحركات والمليشيات التي تقاتل إلى جانبه اليوم، إذا تصادمت مصالحها ومطالبها مع حسابات قيادة الجيش.
وقد تكون الحرب القادمة، إن لم تتغير هذه الفلسفة، حرباً بين الجيش وبعض حلفائه المسلحين الذين أسهم في تسليحهم وتقويتهم!
وهكذا تتوالد الحروب من رحم الحرب نفسها، وتظل الدولة السودانية رهينة تعدد الجيوش والمليشيات وتضارب المصالح والولاءات.
سابعاً: أين تكمن الحكمة الوطنية؟! ومن يملك مشروع إعادة بناء الدولة السودانية؟!
وهنا تبرز مفارقة أخرى تستحق التأمل.
فالقوى المدنية والسياسية السودانية، وشباب ثورة ديسمبر، والقوى الديمقراطية المنضوية في تحالف صمود، إلى جانب عدد من القوى الوطنية ودعاة السلام، ظلوا يحذرون منذ سنوات من خطورة استمرار الحكم العسكري، ومن تعدد الجيوش والمليشيات، ومن الإبقاء على الدعم السريع خارج مؤسسة عسكرية وطنية موحدة.
لقد رفضوا انقلاب 25 أكتوبر 2021، وحذروا من أن تقويض الانتقال المدني الديمقراطي، والإبقاء على منظومة الإنقاذ العسكرية والسياسية، لن يقود السودان إلا إلى مزيد من الأزمات والصراعات.
واليوم، ونحن نشهد نتائج ذلك المسار، تبرز أهمية مراجعة تلك المواقف والتحذيرات، والتأمل في الرؤية التي طرحتها القوى المدنية بشأن مستقبل السودان.
🤔 أليس ما نشهده اليوم تأكيداً لخطورة تلك التحذيرات؟!
أليس من الحكمة أن نعيد النظر في مواقف القوى المدنية والسياسية التي ظلت تدعو إلى وقف الحروب، ورفض الانقلابات، وإقامة دولة مدنية ديمقراطية، وبناء جيش وطني واحد، يخضع لسلطة دستورية مدنية؟!
في تقديري، فإن القوى المدنية والسياسية الوطنية، وشباب ثورة ديسمبر، والقوى الديمقراطية المنضوية في صمود وغيرها من القوى المؤمنة بالتحول المدني، تمتلك رصيداً سياسياً ونضالياً ينبغي أن يكون أساساً مهماً في مشروع إعادة بناء الدولة السودانية الحديثة.
وهؤلاء ليسوا معصومين من الأخطاء أو الاختلافات، ولكن من حقهم أن يُمنحوا الفرصة للمشاركة في قيادة مشروع وطني جديد، يستفيد من دروس الماضي، ويؤسس لحكم مدني ديمقراطي، ومؤسسات مستقلة، وجيش وطني مهني واحد.
ولا يعني ذلك أن ينفرد حزب أو تحالف أو مجموعة سياسية بقرار مستقبل السودان، وإنما أن تكون هذه القوى نواة أساسية وأولى لمشروع وطني أوسع، يضم كل السودانيين المؤمنين بالدولة المدنية وسيادة حكم القانون، ويقوم على التوافق والمحاسبة والقبول الشعبي.
إن السودان لن يخرج من أزمته باستبدال قائد عسكري بآخر، أو استبدال مليشيا بأخرى، وإنما يحتاج إلى تغيير حقيقي في فلسفة الحكم وإدارة الدولة، وإلى جيل سياسي يؤمن بأن السلطة حق للشعب، وأن الوصول إليها لا يكون بالانقلابات ولا بالسلاح، وإنما بالوسائل السلمية والدستورية والانتخابية.
أخيراً: هل يتعلم الشعب السوداني من دروس الحرب، ويمنح القوى المدنية فرصة بناء الدولة؟!
طالما ظل الشعب السوداني يسير خلف هؤلاء العسكر الانقلابيين وشركائهم، ويمنحهم الغطاء السياسي والاجتماعي لمواصلة السيطرة على السلطة، فلن تتوقف الحرب، بل ستتولد عنها حروب متعددة ومتجددة، ولن تنتهي معاناة السودانيين.
إن الحكمة تقتضي أن يفهم الشعب السوداني طبيعة الخديعة السياسية التي تمارسها عليه جماعة الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني، وعناصرهما داخل المؤسسة العسكرية والأمنية، والشركاء الذين يتقاسمون معها السلطة والنفوذ والمصالح.
🛑 هذه الحرب يجب أن تتوقف!
ويجب أن يعود العسكر إلى مهمتهم الأساسية، وهي الدفاع عن البلاد وحماية حدودها ومنشآتها العامة والحيوية، مثل محطات الكهرباء وسائر المرافق التي يحتاج إليها المواطنون، بعيداً عن ممارسة السلطة السياسية والتحكم في مستقبل البلاد.
أما الحكم، فيجب أن يكون للمدنيين، عبر وسيلة سلمية ودستورية، تنظمها قواعد دستورية واضحة، وتحميها مؤسسات تشريعية وقضائية مستقلة، لا تخضع لقادة الجيش، ولا لقادة الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني وشركائهم.
🤔 أليس من حق الشعب السوداني أن يعيش في دولة لا تحكمها المليشيات، ولا يتنازع قادتها العسكريون السلطة والثروة والنفوذ؟!
أليس من حقه أن يمتلك جيشاً وطنياً واحداً، ومؤسسات دولة مستقلة، وحكومة مدنية مسؤولة أمام الشعب والقانون؟!
إن السودان لن يخرج من هذه الدائرة ما لم تنتهِ فلسفة صناعة المليشيات، وتتوقف الحرب، ويُسترد الحكم المدني، وتُبنى دولة القانون والمؤسسات.
فهل آن الأوان ليتعلم الشعب السوداني من دروس هذه الحرب، ويمنح القوى المدنية والسياسية الوطنية وشباب الثورة فرصة قيادة مشروع إعادة بناء الدولة السودانية الحديثة، قبل أن يجد نفسه أمام حرب جديدة، بأسماء وقيادات مختلفة؟! 🤔💢‼️
✍️ محمد الفاتح حضرة

زر الذهاب إلى الأعلى