الأعمدة

الفاشر.. ذاكرة المجزرة وحضن الجزار

شوقي عبد العظيم
عاد «القبة» إلى حضن الوطن، وذهبوا هم إلى أحضانه. أربعة صحفيين في حضرة الجنرال النور القبة، بالتزامن مع مرور عام على مجزرة الفاشر؛ المدينة التي حاصرها الرجل، والتي لا يزال أهلها يحملون ذاكرة الموت الذي خلّفته الحرب. ومن اللقاء خرجت العناوين: «القبة: لم أشارك في الحرب بالخرطوم أو الجزيرة أو سنار وكردفان».
هكذا بدا المشهد، مجسدا مقولته القديمة: «أنا أقول دي نهايتها، لا أقول لسه دي ما نهايتها». مقطع الفيديو الذي تحوّل، في وقت سابق، إلى مادة للسخرية من أحد قيادات قوات الدعم السريع، يعود اليوم ليبسط لسان سخريته على الواقع السوداني؛ حيث تتبدل المواقع والتحالفات، بينما تظل أسئلة الدم والمساءلة معلّقة.
نفس الزول، النور القبة، الذي خاض المعارك ضد الحركات المسلحة في دارفور خلال عهد الرئيس المعزول، يعود إلى واجهة المشهد بعد أن ارتبط اسمه بحصار الفاشر والهجوم عليها، وما رافقهما من قتل وانتهاكات، قبل أن يغادر صفوف الدعم السريع ويلتحق بالجيش، ثم يعود إلى الخرطوم، حيث وجد أحضان «البلابسة» في انتظاره، قبل حضن الوطن.
وكانت «نهايتها» صحفيي حرب «الكرامة» في حضن القبة، ربما لا يبدو أمراً مثيراً للأسئلة في سودان «البل بس». لكن المفارقة أن يحدث ذلك في ذكرى مجزرة الفاشر؛ المدينة التي قُتل فيها الناس بدم بارد، وسقطت النساء والأطفال والمسنون في واحدة من أكثر مآسي الحرب السودانية فداحة.
قبل عام، تحولت الفاشر إلى مسلخ بشري. وأظهرت صور الأقمار الصناعية، وفقاً لصحيفة «الغارديان»، عشرات الأكوام من الجثث في شوارع عاصمة شمال دارفور، في مشهد كشف حجم المأساة، وحوّل المدينة إلى مسرح جريمة واسع، كانت فيه الجثث تحكي ما عجزت الكلمات عن وصفه.
لكن ثمة مسرحاً آخر في الخرطوم، في أحد أرقى أحياء العاصمة، حيث يجلس النور القبة لالتقاط الصور مع الصحفيين الذين يستمعون إليه وينقلون شهادته. هنا تتجاور صورتان لا تبدوان من الحكاية نفسها: جثث تتكدس في شوارع الفاشر، ورجل ارتبط اسمه بحصارها يجلس في الخرطوم، يتحدث وتُنقل روايته إلى الرأي العام.
ويقيم القبة، ، في أحد أرقى أحياء العاصمة، في مشهد يثير أسئلة عن المعايير التي تُعاد بها صياغة صور رجال الحرب، وعن الكيفية التي يمكن بها أن يتحول الانتقال من صفوف الدعم السريع إلى الجيش إلى بوابة للعودة إلى المشهد العام، بينما لا تزال دماء الضحايا تنتظر الحقيقة والعدالة.
فالخرطوم التي تحتضن القبة تحتضن أيضاً ناجين من الفاشر، وأسرًا فقدت أبناءها، وذاكرة مدينة لم تنتهِ مأساتها بانتهاء الاقتحام. وبينما تتقدم رواية الرجل إلى العناوين، يظل السؤال قائماً: هل يكفي تبديل الموقع العسكري لإغلاق صفحات الماضي؟ وهل يمكن أن يصبح الانشقاق عن مليشيا صك براءة من سجل الحرب؟
ولا تتوقف المفارقة عند عودة القبة إلى حضن الوطن، بل تمتد إلى محاولات إعادة تقديمه باعتباره المخلّص، على غرار ما حدث مع منشقين آخرين، في مشهد يستدعي تجربة حميدتي نفسه. تتبدل الرايات، وتتغير التحالفات، ويُعاد تقديم رجال الحرب في صور جديدة، لكن تبديل الموقع لا يبدل الحقيقة، ولا يعفي أحداً من المساءلة عن الانتهاكات المنسوبة إليه.
يحكي أحد شهود المأساة أن النجاة من الموت يومها كانت رهينة الحظ وحده. مسار واحد للخروج من المدينة، وعلى جانبيه جنود قوات الدعم السريع يطلقون الرصاص كأنهم يمارسون لعبة، فيما تحلّق المسيّرات فوق رؤوس الفارين. كان الناس يسلكون ذلك الطريق ساعة اقتحام المدينة، دون أن يعرفوا إن كانوا يمضون نحو النجاة أم نحو الموت.
بعد عام، لا يستطيع الرجل الذي شهد تلك اللحظات مواصلة الحديث. يكتفي بتحويل هاتفه إلى اللون الأحمر، تحت وسم «الهاشتاق الأحمر»، الذي يستعيد به الناجون ذاكرة الألم في ذكرى المجزرة.
ما حدث كان فوق التصور وأبعد من الخيال. وقد وصفت تقارير دولية وشهادات ناجين ما جرى في الفاشر بأنه من أشد مشاهد الانتهاكات عنفاً في النزاع السوداني. أما الرجل الذي نجا من الرصاص، فما زال عاجزاً عن استعادة الحكاية، أو مواصلة الحديث عن مدينة ترك فيها جزءاً من روحه.
على شاشة هاتفه الأحمر، تقفز صورة القبة في خبر مقتضب، وتظهر كتابات تحاول إعادة تسويق القاتل ، وكأن أهل الفاشر كُتب عليهم أن يموتوا في المذبحة، وأن يموت الناجون مرة أخرى في ذكراها؛ مرةً تحت وطأة ما عاشوه، ومرةً وهم يشاهدون إعادة ترتيب المشهد، بينما لا تزال جراحهم مفتوحة.
السادس والعشرون من أكتوبر ليس مجرد ذكرى لسقوط مدينة؛ إنه استعادة ليوم سقط فيه الناس في أنهار من الدماء، وواجه الناجون مصيراً لم تنتهِ فصوله بمغادرة الفاشر.
أحد الذين غادروا المدينة قال، وهو لا يكاد يصدق أنه نجا: «ما حدث فوق تصوراتك، وفوق قدرتي على الكلام». كان يقاوم ذاكرته ودموعه، ولم يجد ما يردده سوى: «حسبنا الله ونعم الوكيل».
وهي ذات المقولة التي يرددها كثيرون اليوم، وهم يشاهدون عودة القبة إلى الواجهة، ويحاولون استيعاب المفارقة بين ناجٍ يعجز عن الكلام، ورجل حرب يعود إلى العناوين. كأن المطلوب من أهل الفاشر أن يطووا صفحة الموت، فيما تُفتح أمام من ارتبطوا بمأساتهم صفحات جديدة من الحضور والاحتفاء.
«أنا أقول دي نهايتها، لا أقول لسه دي ما نهايتها».. ربما لم تكن العبارة مجرد مقطع ساخر، بل اختصاراً لمشهد سوداني تتبدل فيه مواقع الرجال أسرع مما تتقدم العدالة. قد يعود القبة إلى حضن الوطن، وقد يجد من يستمع إليه ويمنحه المنابر، لكن الفاشر لا تزال هناك؛ في صور الجثث، وفي ذاكرة الناجين، وفي حكايات الذين لم يعودوا قادرين على الكلام.
أما النهاية، فلا يصنعها تبديل الرايات ولا صور اللقاءات. تبدأ حين تُكشف الحقيقة، وتُسمع أصوات الضحايا، ويُحاسَب المسؤولون عن الجرائم. وحتى ذلك الحين، سيظل السؤال موجعاً: كيف يُطلب من الناجين أن ينسوا، فيما يُعاد تقديم من ارتبطوا بمأساتهم باعتبارهم أبطالاً؟

زر الذهاب إلى الأعلى