حين ينتحر العالم بيد الإنسان… هل اقتربت نهاية الحضارة أم حان وقت الحساب؟! قراءة فلسفية في كوارث الأرض وصناعة الإنسان لمصيره بيديه

بقلم الشريف محمد عطا القطيعي
ليست المأساة أن تنتهي الحياة يومًا، فلكل بداية نهاية، ولكل أجل كتاب؛ وإنما المأساة الحقيقية أن يصبح الإنسان، الذي كرّمه الله بالعقل ومنحه مفاتيح العلم والمعرفة، هو نفسه الخطر الأكبر الذي يهدد وجوده، وأن تتحول عبقريته من وسيلة لإعمار الأرض إلى أداة لهدمها، ومن نافذة يطل منها على آفاق المستقبل إلى باب واسع يدخل منه إلى هاوية الفناء!
قال الله تعالى في محكم آياته:
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: 49-50].
وقال سبحانه وتعالى:
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41].
إن المتأمل في أحوال العالم اليوم يكاد يشعر بأن البشرية تقف على مفترق طرق لم تعرف الإنسانية مثيلًا له في تاريخها الحديث؛ فالأرض التي كانت يومًا مهدًا للحضارات، ومسرحًا للأحلام، وموطنًا تتعانق فوقه الثقافات، أصبحت في كثير من بقاعها ساحة مفتوحة للصراعات، وميدانًا تتصارع فوقه المصالح، وتُختبر فيه قدرة الإنسان على القسوة قبل قدرته على الرحمة.
حروب تشتعل ولا تنطفئ، وشعوب تُساق من أوطانها إلى المجهول، ومدن تُمحى ملامحها تحت القصف، وأطفال يفقدون طفولتهم قبل أن يعرفوا معنى الحياة، وأمهات يحملن أسماء أبنائهن بين الركام، وآباء يبحثون في أنقاض المنازل عن بقايا ذاكرة كانت بالأمس وطنًا كاملًا.
وفي مشهد آخر من مشاهد العبث البشري، تتعرض الطبيعة لاستنزاف لا يعرف الرحمة؛ فالغابات تتراجع، والأنهار تتلوث، والبحار تختنق بالنفايات، والمناخ يختل بفعل النشاط الإنساني المفرط، والجفاف والفيضانات والحرائق والعواصف تضع العالم أمام حقيقة لا يمكن تجاهلها: إن الإنسان حين يعتدي على توازن الطبيعة، إنما يعتدي على شروط بقائه هو.
إنها مفارقة التاريخ الكبرى؛ أن يبلغ الإنسان ذروة التقدم العلمي، بينما يتراجع في بعض مواقفه إلى قاع الإنسانية!
لقد استطاع أن يطوي المسافات، ويغزو الفضاء، ويكشف أسرار الذرة، ويصنع عوالم رقمية تتجاوز حدود الخيال، لكنه لم يستطع حتى الآن أن ينتصر انتصارًا كاملًا على الجوع، أو يضع حدًا للحروب، أو يضمن للضعفاء حقهم في الحياة الكريمة.
اخترع الأقمار الصناعية ليراقب أطراف الكون، لكنه لم ينجح في مراقبة ضميره حين يظلم أخاه الإنسان. وصنع من التكنولوجيا جسورًا بين القارات، لكنه ترك بين الشعوب متاريس من الكراهية والتعصب والأنانية. وامتلك من أدوات التدمير ما يكفي لإفناء مدن بأكملها، بينما لا يزال عاجزًا عن بناء سلام حقيقي يحفظ للإنسان كرامته وحقه في الحياة.
وهنا يفرض السؤال نفسه على ضمير العالم: أهذه هي الحضارة التي حلمت بها البشرية؟ أم أننا نعيش عصرًا تتقدم فيه الآلات بينما تتعثر القيم، وتتسع فيه المعرفة بينما تضيق فيه الحكمة، وتتضاعف فيه القوة بينما يتضاءل الإحساس بالمسؤولية؟
الإنسان لا يهدم العالم دفعة واحدة؛ بل يبدأ هدمه حين يتصالح مع الخطأ، ويعتاد الظلم، ويبرر العدوان، ويمنح أطماعه أسماء براقة تخفي حقيقتها القبيحة.
إن الكوارث التي نشهدها ليست جميعها من صنع البشر، فهناك سنن كونية وظواهر طبيعية وابتلاءات لا يملك الإنسان دفعها كلها، لكن المؤكد أن كثيرًا من مآسي العصر تتضاعف بفعل قرارات بشرية، وحسابات سياسية ضيقة، وجشع اقتصادي، واستهانة بحقوق الأجيال القادمة.
ولعل أخطر ما يهدد مستقبل البشرية ليس السلاح النووي وحده، ولا الاحتباس الحراري وحده، ولا الأزمات الاقتصادية المتلاحقة؛ بل اجتماع هذه الأخطار في عالم فقد القدرة على التوافق، وأصبح فيه صوت القوة أعلى من صوت الحكمة، ومنطق المصالح أسبق من منطق العدالة.
فحين تتحول الحروب إلى تجارة، والمآسي إلى أوراق ضغط، ومعاناة الشعوب إلى أرقام في نشرات الأخبار، نكون أمام أزمة أخلاقية عميقة تتجاوز حدود السياسة والاقتصاد، لتصل إلى جوهر الإنسان نفسه.
ومن هنا، فإن الحديث عن نهاية العالم لا ينبغي أن يكون مجرد استدعاء لمشاهد الفناء الكوني، بل دعوة إلى مراجعة الإنسان لتاريخه، ومحاسبة ضميره، وإعادة النظر في الطريق الذي يسير فيه.
لقد وضع القرآن الكريم أمام البشرية قاعدة أخلاقية عظيمة في فهم عواقب الأفعال، حين قال سبحانه وتعالى:
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30].
إنها دعوة إلى التأمل في المسؤولية الإنسانية، وإدراك أن الأفعال لا تنتهي بانتهاء لحظتها، وأن الظلم يترك جراحًا تتوارثها الأجيال، وأن الفساد لا يقف عند حدود مرتكبيه، بل تمتد آثاره إلى المجتمع والطبيعة ومستقبل الحياة.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي ألا نحمّل الأبرياء مسؤولية جرائم لم يرتكبوها، ولا نخلط بين الابتلاء الذي يقع على الإنسان وبين الظلم الذي يصنعه الإنسان لأخيه الإنسان. فكم من طفل دفع ثمن حرب لم يخترها، وكم من شعب ذاق مرارة العدوان دون أن يكون له يد في إشعاله.
وهذا تحديدًا ما يجعل المسؤولية الأخلاقية أكثر إلحاحًا؛ فليس من العدل أن يصنع أصحاب القرار الكارثة، ثم يتحمل الضعفاء فاتورتها، وليس من الإنسانية أن يتحدث العالم عن السلام بينما تظل أبواب العدالة مغلقة أمام المظلومين.
ومع كل هذه العتمة، لا يزال في الأفق متسع للأمل.
فالتاريخ لم يكن يومًا كتابًا من الهزائم وحدها، ولم تكن الأزمات نهاية كل الحضارات؛ بل كثيرًا ما خرجت من رحم المحن إرادات جديدة، وولدت من قلب الانكسار أفكار أعادت تشكيل المستقبل.
إن الإنسان الذي يمتلك القدرة على الهدم يمتلك كذلك القدرة على البناء، والذي يستطيع اختراع أدوات الحرب يستطيع توجيه العلم نحو العلاج والغذاء والطاقة النظيفة، والذي أشعل نيران الصراعات يستطيع أن يختار طريق الحوار والتعاون، إذا تحررت إرادته من أسر الأطماع واستعادت القيم مكانتها في ميزان الحياة.
ولذلك لم يكن غريبًا أن يجعل الإسلام عمارة الأرض وإصلاحها من أعظم معاني المسؤولية الإنسانية، وأن يحذر من الفساد فيها، فقال تعالى:
﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: 56].
كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها». رواه أحمد.
وما أعمق هذه الرسالة! إنها تعلم الإنسان أن الأمل ليس ترفًا، وأن العمل الصالح لا يفقد قيمته مهما اشتدت المحن، وأن واجبه أن يزرع الخير حتى في اللحظة التي تبدو فيها الدنيا وكأنها تطوي صفحاتها الأخيرة.
الخاتمة: ليست الأرض هي التي تكتب نهاية الإنسان… بل الإنسان هو من يكتب مصيره!
إن العالم اليوم لا يحتاج إلى سباق جديد في التسلح، ولا إلى مزيد من الشعارات التي تتغنى بالسلام، بقدر ما يحتاج إلى ثورة في الضمير، وإلى صحوة أخلاقية تعيد للإنسان قيمته، وللعدل مكانته، وللرحمة سلطانها.
فالحضارة ليست عدد الصواريخ التي تمتلكها الدول، ولا ارتفاع ناطحات السحاب، ولا حجم الثروات التي تختزنها الخزائن؛ إنما الحضارة الحقيقية هي أن يشعر الإنسان بالأمان في وطنه، وأن يجد الطفل حقه في الحياة، وأن يعيش الضعيف دون خوف، وأن يصبح العدل أقوى من السلاح، والحق أعلى من المصالح.
أما الساعة، فعلمها عند الله وحده، ولا يملك بشر تحديد موعدها أو الجزم بقربها؛ لكن ما نملكه اليوم هو أن نراجع أنفسنا قبل أن تحاسبنا نتائج أفعالنا، وأن ندرك أن الأرض ليست ملكًا لجيل يعبث بها كيف يشاء، بل أمانة تتناقلها الأجيال، وحق للأبناء والأحفاد كما كانت حقًا للآباء والأجداد.
فيا أيها الإنسان، قبل أن تبحث عن موعد نهاية العالم، انظر إلى ما تصنعه في العالم! وقبل أن تخشى سقوط السماء، اسأل نفسك: كم مرة أسقطت بيدك معنى الإنسانية من قلب الحياة؟!
فربما لا تكون المأساة الكبرى أن تنتهي الحضارة يومًا، بل أن تستمر الأبنية شامخة، والمصانع عاملة، والتكنولوجيا متقدمة، بينما يكون الإنسان قد فقد إنسانيته، وأصبح غريبًا في عالم صنعه بيديه، ثم عجز عن أن يجد فيه مكانًا للرحمة والعدل والسلام.
إن أخطر نبوءة لا تحتاج إلى عرّاف، وأصدق إنذار لا يحتاج إلى ضجيج؛ يكفي أن ننظر إلى آثار أفعالنا لندرك أن المستقبل لا يُصنع بالأمنيات، وأن من يزرع الدمار لا ينبغي أن ينتظر حصاد السلام.
فإما أن يتعلم الإنسان كيف يحيا مع أخيه الإنسان، ويحترم الأرض التي تأويه، وإما أن يظل يواصل كتابة فصول مأساة قد يكون هو بطلها الأول… وضحيتها الأخيرة.
جريدة موطني المحلية والدولية الرأي والرأي الآخر… منبر الكلمة الحرة والضمير الحي.
————القطيعى الشريف————–
حين ينتحر العالم بيد الإنسان… هل اقتربت نهاية الحضارة أم حان وقت الحساب؟!
قراءة فلسفية في كوارث الأرض وصناعة الإنسان لمصيره بيديه



