الأعمدة

فصام الدولة ما بين إطعام لهيب الحرب وتجويع الموارد !

(موطئ قلم)
محمد عبد الله برقاوي.
تتفاوت أسباب الحروب، وتتباين أهدافها الآنية عند أرنبة أنف الظروف، حينما تكون محلية عبثية المشهد، عديمة الرؤى، وبين تلك التي تقوم بين دولة وأخرى، أو بين معسكرين، وتكون لها أبعادها الاستراتيجية بعيدة المدى في صراع المنافع والمصالح!
والحروب، أياً كان زمانها ومكانها، تظل استنزافاً لمقدرات التنمية البشرية، وتمس حركة البناء الإنساني في جوانبها المادية والحسية والمعنوية؛ لأنها تلامس وجود الحياة، وتنتهك قيمها المقدسة التي وجدت لتعمير الدنيا، وليس بالطبع لتدميرها، حتى تتفاقم كلفة إعادة إعمارها وتقويم ما أفسدته، بصورة أكثر فداحة.
اليوم، نجد أن الشعب الأمريكي، حينما أحس بلسعة نيران الحرب مع إيران، وإن كانت بعيدة جغرافياً عن عقر داره، لم يتوانَ، بوصفه ناخباً حراً، عن تحميل الرئيس ترامب وزر تسخير موارد بلاده البشرية والمادية والتقنية للاستنزاف، الأمر الذي انعكس على موقفه الانتخابي، وأضعف موقف الحزب الحاكم في الكونجرس، بما يجعل يد الرئيس أقل قدرة على تمرير سياساته خلال ما تبقى من فترته الرئاسية، وإن كان يمتلك بعض الصلاحيات الدستورية التي قد يلجأ إليها لتجاوز أزمات فقدان الأغلبية الداعمة له، ولكنها تظل صلاحيات لا تغني عن المحاسبة السياسية، ولا تعوض غياب التوافق الشعبي.
وبالمثل، فإن حسابات السياسة والانتخابات في إسرائيل تجعل بنيامين نتنياهو يقف في منطقة رمادية، بين العودة إلى كرسي الحكم والحرب، أو الذهاب مكبلاً إلى ساحات القضاء، حيث ظل طلبه للمثول أمامها معلقاً على رقبة حصانته السياسية، هو الآخر.
بيد أن الأمر يختلف عندنا؛ إذ لا يخشى الحاكم المطلق السطوة أن يحاسبه شعبه، لأن مفردة الانتخابات في عرفه رجس من عمل الديمقراطية التي تبغضها البندقية! فيسدر في غيه، غير آبه بما أصاب شعبه جراء فصام دولته، ما بين السعي وراء أماني حسم حرب مجهولة المدة والكلفة، وبين فشلها في إدارة موارد البلاد، التي ظلت مخبأة خلف دخان حربها، حتى أضحت الحرب نفسها تحرق هشيم تلك الموارد، مثلما تيبس أعواد أخضرها.
ولا عزاء لشعب يتوجع فقراً، ويتلوى جوعاً، ويئن مرضاً، ةبتخلط ظلاما وبهيم أبناؤه في متاهات الجهل، تحت وطأة ارتفاع كلفة التعليم وضيق مواعينه، فضلاً عن احتياجات أخرى كثيرة لا تجد من يلتفت إليها، وكأنما لسان حاله يردد: «وحاجات تانية حامياني»، على رأي الأغنية المعروفة، مع الاعتذار لشاعرها ومؤديها.
والله من وراء القصد، وهو المحمود على نعمة الابتلاءات ونقمها.

زر الذهاب إلى الأعلى