الأعمدة

وضاعت مني ليلة الجمعة..!.

(موطئ قلم)
محمد عبد الله برقاوي
التنقل بين المجتمعات المختلفة، خارج وطنك وبعيداً عن محيطك الثقافي الذي نشأت عليه، إرثاً أو اكتساباً، يعد واحداً من المكاسب المعرفية، مهما بدت لك بعض مظاهر تلك المجتمعات غريبة أو مختلفة عما ترسخ في وجدانك عبر الزمن، حتى كدت تظنه الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل نمطاً مغايراً.
فما إن يطيب لك المقام في مجتمع جديد، حتى تجد نفسك قد بدأت تتشبع بمتغيراته، وتنسجم مع كثير من مفرداته وتفاصيل حياته اليومية.
ولعل من أكثر ما يلفت الانتباه اختلاف مسميات الأشياء من مجتمع إلى آخر. ففي المغرب، مثلاً، قد تستغرب حين تدعو لأحدهم بأن يعطيه الله العافية، شكراً له على صنيع يستحق الثناء، فتجده ينتفض في وجهك وكأنك أصبته بمكروه! ذلك أن كلمة العافية عندهم تطلق على النار.
وإذا طلبت من صاحب البقالة قنينة ماء، فقد لا يفهم مرادك، لأن القنينة عندهم تسمى «القرعة».
ومن الطرائف التي نقلت عن البروفيسور الراحل عبد الله الطيب، أنه حين نزل بالمغرب في ستينيات القرن الماضي، بعد انتدابه للعمل بإحدى الجامعات هناك، للمساهمة في تعريب بعض المناهج، طلب من صاحب حانوت علبة صلصة، غير أن الرجل لم يفهم مقصده، رغم محاولات البروفيسور الطيب شرح ما يريد بمختلف المسميات، حتى إنه لجأ إلى نطقها باللغة الإنجليزية.
لكن الأمر لم ينكشف له إلا حين علم من زملائه بالجامعة أن الصلصة عندهم تسمى: «مطيشة ديال حق».
وفي اليوم التالي، عاد إلى الحانوت وطلبها بالاسم الذي تعلمه، فتهللت أسارير الرجل وقال له: «الآن بدأت تتعلم العربية أيها الأكحل»؛ أي الأسمر، دون أن يعلم أن هذا الرجل الذي يخاطبه بهذه العبارة هو أحد أعلام اللغة العربية، ومن الذين كرسوا جهدهم لخدمتها وتأصيلها في المؤسسات التعليمية.
وللتوضيح، فإن «المطيشة» تعني الطماطم، و«ديال» تعني الخاصة أو التابعة، أما «الحق» فتعني العلبة.
وفي بلاد الشام، حين تطرق باب مكتب أحدهم، فقد يجيبك قائلاً: «تفضل فوت»، وهي عبارة تعني عندهم الدخول، بينما قد يستقبلها السوداني أو المصري الذي لم يألفها بشيء من الاستغراب، إذ إن كلمة «فوت» في دارجتنا قد تحمل معنى آخر، كأن تقول لشخص: «فوت علينا بعدين»؛ أي انصرف وعد إلينا لاحقاً، وهي في المصرية أيضاً ليست بعيدة عن هذا المعنى.
وأذكر أنني، خلال إقامتي في دولة الإمارات، تلقيت دعوة من أحد معارفي بمدينة العين لحضور مأدبة عشاء بمناسبة زواج ابنه، أو ابنته، لا أذكر على وجه الدقة. وقد أخبرني أن المناسبة ستكون ليلة الجمعة، في سرادق سيقام بساحة أمام منزله.
وفي مساء الجمعة، تهيأت بأفضل ثيابي، وتوجهت إلى العنوان الصحيح، وفي التوقيت الذي حدده لي صاحب الدعوة.
لكنني فوجئت بمجموعة من الصبية يلعبون كرة القدم في الساحة نفسها، دون أن يكون للسرادق أو مظاهر الاحتفال أي أثر!
وحين سألتهم عن المناسبة، أخبروني أن العرس قد أقيم بالفعل، وأنه كان ليلة الجمعة، لأن الليلة التي أعنيها أنا هي عندهم ليلة السبت!
وهكذا طارت الوليمة، وضاعت مني ليلة الجمعة، ولم يكن أمامي سوى الاتصال بالرجل الداعي، للاعتذار عن غيابي، وشرح ما حدث من خلط بين ليلة الجمعة وليلة السبت.
وهكذا خسرت موعد الوليمة، وبقيت أردد بحسرة: يا وليمتي، يا حلوة المذاق، أين أنت مني؟ مع الاعتذار للشاعر الفلسطيني محمد القاضي، وللفنان الراحل صلاح بن البادية، عن استعارة شيء من أجواء أغنيتهما الجميلة.
وقد قصدت اليوم أن أبتعد قليلاً عن سيرة البحر السياسي، كما يحلو لصديقنا البروفيسور عبد اللطيف البوني أن يسميها، وله التحية والتجلة، لأقترب منكم، أعزائي القراء، في استراحة قلم طالما أجهدته واستنزفته تلك السيرة غير العطرة.
فلكم مني هذه الاستراحة، ولعلها تكون ليلة جمعة قادمة بوليمة لا تضيع منا هذه المرة!

زر الذهاب إلى الأعلى