بعثة الري المصري في الخرطوم: الاحتلال الناعم الذي يصفق له حكام السودان
نخبة الخرطوم.. التي حولت النيل إلى "خرطوم مياه " يروي صحراء مصر ويصيب السودان بالعطش والجوع

ـــــ
أسامة كنينة:
——
نيلين وعطشانة-
شهدت الأيام القليلة الماضية تصريحات إعلامية متزامنة ومتناقضة، لكنها ترفع الستار عن عورات ملف إدارة المياه في حوض النيل وتكشف عمق الأزمة الهيكلية والسياسية في السودان. فمن جهة، خرج وزير الموارد المائية والري المصري ليعلن صراحة أن حاجة مصر الفعلية من المياه تصل إلى 120 مليار متر مكعب سنويًا، مؤكدًا على استقرار منظومتها واستمرار مشاريعها القائمة طوال العام. وفي المقابل، أطلق وزير الخارجية السوداني صرخة مغايرة تمامًا، أعلن فيها أن الأمن المائي المصري سيحميه الشعب السوداني قبل المصري!
بين الأرقام الاستعلائية للقاهرة والتصريحات التبعية للخرطوم، يتبدى التباين الصارخ كدليل حسي وملموس على مأساة حوض النيل ؛ بلد الصحراء الجافة يدير دورة زراعية دائمة وخماسية مستقرة طوال العام، بينما بلدان المطر والوفرة والأراضي الخصبة التي لا مثيل لها في العالم، يعيش شعبها واقتصاده على الترقب الموسمي “موسم بموسم” ارتهانًا لتقلبات الطبيعة. إن هذا الخلل الفاضح ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج هندسة سياسية مقصودة وتواطؤ علني من نخب سودانية متعاقبة باعت ضميرها وشعبها وأرضها بثمن بخس، وارتضت أن تعمل كحارس دائم لحماية الأمن القومي والغذائي المصري على حساب الأمن القومي الوجودي للسودان وعموم القارة الإفريقية.
اختراق الأرقام: تجاوز الحصة القانونية واحتكار جهد القارة
خلف السطور، يحمل تصريح وزير الري المصري باحتياج بلاده لـ 120 مليار متر مكعب اعترافًا فيزيائيًا صارخًا؛ فالمعادلة الحاكمة للنهر وفقًا لاتفاقية 1959- رغم عدم شرعيتها – تقيد حصة مصر بـ 55.5 مليار متر مكعب فقط. وعندما يقفز الاستهلاك الفعلي للمشاريع الاستثمارية والزراعية القائمة في مصر إلى أكثر من ضعف هذا الرقم، فإن الواقع العملي يكشف أن مصر تجاوزت حصتها القانونية والمائية المحكومة دوليًا. إن هذا التجاوز المعلن يُثبت أن القاهرة استطاعت امتصاص واستغلال طاقة النهر بالكامل، وتوجيه مياه الأمطار المتدفقة من أعماق إفريقيا وهضابها نحو مشاريعها القومية الكبرى.
هذه الممارسات المصرية تعكس استراتيجية واضحة للانفراد بمياه القارة واستغلال غياب البنية التحتية في دول المنبع لفرض أمر واقع مائي. وبينما تتباهى القاهرة بتحقيق أمنها المائي وتوسيع رقعتها الزراعية، فإن هذا الازدهار على خط المصب يقابله مشهد مأساوي على طول مجرى النهر؛ حيث تتضور شعوب دول المنبع عطشًا وجوعًا، وتفتقر لأبسط مقومات الاستقرار الزراعي والطاقة، بسبب منظومة مائية تاريخية صُممت لحظر أي تنمية حقيقية خارج حدود المصب.
هندسة التبعية: كيف أدارت “البعثات الأجنبية” مقدرات السودان؟
منذ توقيع اتفاقية عام 1959 المجحفة، لم تكن النخب السودانية جاهلة بالحقوق المائية لشعبها، بل وُجدت من الأساس لتأدية وظيفة بنيوية محددة: ضمان التدفق السلس والآمن للمياه نحو الشمال لتغذية هذا التجاوز المصري المستمر. ولعل الدليل الأكبر على هذا الارتهان هو الإقامة الدائمة لـ “بعثة الري المصري” في قلب السودان، والتي تدير وتراقب المنظومة المائية بالكامل حتى هذه اللحظة، وسط احتفاء رسمي وتعامٍ صامت من الحكومات السودانية المتعاقبة.
هذا التواطؤ لم يقف عند حدود المراقبة، بل امتد إلى العرقلة المتعمدة لأي مشروع تنموي سوداني حقيقي قد يهدد التدفقات الذاهبة لمصر. فقد قبلت هذه النخب بحظر بناء خزانات عملاقة في السودان تحجز المياه خلفها لتنمية ملايين الأفدنة، مما جعل مشاريع عملاقة كمشروع الجزيرة تعاني من ري موسمي متذبذب محكوم بفترة الفيضان فقط، بينما تُترك الموارد لتصب مجانًا في بحيرة ناصر لتستغلها مصر في تجاوز سقف حصتها المحدود واستصلاح صحاريها والتوسع الأفقي الشامل.
الفيتو السوداني ضد مصلحة السودان: لغز “عنتيبي”
تتجلى المفارقة الكبرى في الموقف السوداني الرافض للتوقيع على اتفاقية “عنتيبي” الإطارية الجديدة. ففي الوقت الذي تسعى فيه هذه الاتفاقية لإيجاد صيغة عادلة ومنصفة لتوزيع المياه وإلغاء الهيمنة التاريخية لدول المصب ووضع حد للتجاوزات، تقف الأنظمة السودانية في خندق واحد مع القاهرة لعرقلة هذا المسار الإفريقي الشامل.
هذا الرفض يثبت أن الأنظمة في الخرطوم، رغم علمها التام بعدم استفادة الشعب السوداني من مياه النيل المتاحة، تختار طواعية تجميد النمو الاقتصادي والزراعي لبلادها لتأمين الوضع المصري القائم ومساعدتها على احتكار مقدرات السودان والقارة. إن تقديم الأمن المائي المصري كأولوية على لسان الدبلوماسية السودانية يوضح أن ملف المياه يُستخدم كبطاقة مقايضة سياسية وأمنية رخيصة؛ حيث تشتري النخب الحاكمة شرعيتها وبقاءها في السلطة عبر تقديم التنازلات المائية والجغرافية للجار الشمالي علي حساب اطفال السودان.
الخريطة لا تكذب: واقع مأساوي وصحوة مؤجلة
بنظرة بسيطة إلى خريطة الزراعة في البلدين، تنهار كل المبررات الفنية والدبلوماسية. فالسودان الذي تتدفق فيه الأنهار وتهطل فيه الأمطار بغزارة، تحول اقتصاد السودان الزراعي — وهو عصب الحياة لسكانه — إلى رهينة لـ “الفترات الموسمية”، حيث يتوقف الإنتاج بانتهاء المطر وتتحول ملايين الأفدنة الخصبة إلى أراضٍ معطلة بفعل غياب التخزين المستقل.
إنها مأساة سياسية وأخلاقية مكتملة الأركان. فالأزمة في السودان لم تكن يوماً أزمة موارد أو شُح في الطبيعة، بل هي أزمة نخب سياسية وعسكرية استمرأت التبعية، وصادرت حق أجيال كاملة في التنمية والرفاهية لتأمين كراسي الحكم، مما جعل السودان “ممرًا آمنًا” لازدهار وتجاوز الآخرين على حساب ثروات القارة، ومقبرة لطموحات شعبه الزراعية والاقتصادية.
خاتمة: سُقيا مصر وعطش المنبع.. كسر طوق الارتهان
في نهاية المطاف، لا تبوح الخريطة المائية لحوض النيل بأسرار الطبيعة وقوانين الهيدرولوجيا، بقدر ما تفضح موازين القوى السياسية وأخلاقيات النخب الحاكمة. إن المفارقة الصارخة بين سُقيا مصر وازدهارها الدائم، وبين عطش المنبع وارتهانه الموسمي، تظل شاهدًا حيًا على جريمة تنموية شُيدت بأقلام النخب السودانية قبل بوابات السدود المصرية. لقد أثبتت الأيام أن انفراد القاهرة بمياه النيل وتجاوزها الفعلي لحصتها القانونية لم يكن لينجح لولا وجود منظومة في الخرطوم قبلت طواعية دور الحارس القضائي على فقر شعبها، وظلت تصفق لبعثات الري الأجنبية وهي تدير شريان حياتها بالوكالة.
إن تصريحات وزراء الري والخارجية الأخيرة ليست سوى امتداد علني لإرث قديم من المقايضة الرخيصة؛ حيث يُقدم الأمن القومي للمصب كقربان سياسي تشتري به الأنظمة الحاكمة بقاءها، بينما يتجرع مواطنو حوض النيل مرارة الجوع والعطش على ضفاف النهر الخالد. ولن يستقيم هذا الاختلال الهيكلي — لا عدلاً ولا قانونًا ولا أخلاقًا — إلا عندما تدرك شعوب المنطقة أن الاستقلال الحقيقي يبدأ من تحرير الإرادة المائية، وكسر طوق التبعية، وإعادة بناء عقيدة تنموية وطنية تضع مصالح الشعوب الإفريقية أولاً وفوق كل تحالف، لتتحول هبة النيل من صك لهيمنة المصب إلى طوق نجاة واستقرار



