
د. عبد العظيم حسن
المحامي – الخرطوم
لم يعد ممكناً تفسير ما يجري في السودان باعتباره مجرد تمرد من قوات الدعم السريع على القوات المسلحة أو صراع على السلطة بين دعاة استعادة الحكم المدني إو حتى معركة ضد ما يُسمى دولة 56. فمشروع الانقلاب الذي نفذته مليشيا الدعم السريع تحول إلى عدوان مفتوح على الشعب السوداني نفسه، وعلى حقه في الحياة والأمن والاستقرار. فمن يسعى حقاً إلى حكم شعب أو تحريره أو استعادة دولته المدنية، لا يمكن أن تكون أولويته تدمير مقومات حياته، وإنما تيسير سبل العيش له، وصيانة مكتسباته، والبناء على ما هو قائم، لا هدمه. غير أن سلوك المليشيا منذ اليوم الأول للحرب كشف عن نهج مختلف، عنوانه القتل والاغتصاب والنهب، واقتحام منازل المواطنين وتدميرها وتجريدها من كل ما يملكون.
ولم يتوقف هذا العدوان عند حدود المدن التي اجتاحتها المليشيا، بل امتد إلى ما بعد انسحابها منها. فهذه المليشيا، وبدلاً من أن تترك للمواطنين فرصة العودة إلى ديارهم وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، اتجهت وداعموها إلى استخدام المسيرات الاستراتيجية لاستهداف محطات المطارات والكهرباء والمياه والمرافق الصحية والخدمية، وكأن المطلوب ألا يجد المواطن ما يعينه على استعادة حياته، حتى بعد تقهقر السيطرة العسكرية للمليشيا.
إن الأمر يتجاوز الرغبة في العودة إلى الحكم أو إقصاء الخصوم السياسيين؛ فاستهداف ما تبقى من البنية التحتية للدولة يطرح سؤالاً أخطر عن الغاية النهائية لهذا العدوان. أهي إزالة كل مقومات الدولة حتى لا تجد أي سلطة مقبلة ما تستند إليه في إعادة البناء، ولا يجد المواطن ما يسد رمقه أو يعينه على المطالبة بحقوقه؟ إن من يزعم أنه يقاتل من أجل الشعب لا يحاربه في أمنه وبيته ومعاشه ومستقبله. فالحكم غاية لا تتحقق إلا برضا الشعب، أما تدمير حياته فليس طريقاً إلى السلطة، بل عدوان على الوطن بأسره.



