الأعمدة
أخر الأخبار

عندما تنتصر الأخلاق على الجراح ..

بقلم: هيام سلوم

يُقال إن القوة هي القدرة على ردّ الأذى وإن الضعف هو العجز عن المواجهة
لكن الحياة في امتحاناتها الأكثر قسوة تعيد ترتيب هذه المفاهيم، وتكشف لنا أن الإنسان قد يكون في ذروة قوته حين يمتلك القدرة على الانتقام، ثم يختار ألّا يفعل.

فالعظمة الحقيقية تظهر حين تنتصر أخلاقنا على جراحنا.

ثمة معارك لا تُخاض بالسيوف ولا تُحسم بالصوت المرتفع بل تدور في أعماق النفس بين إنسانٍ جُرح بما يكفي ليصبح قاسياً وإنسانٍ ما زال يؤمن أن الألم مهما بلغ، لا يمنحه الحق في أن يؤذي الآخرين. وفي هذه المسافة الدقيقة بين الوجع والردّ عليه تتجلى حقيقة الأخلاق.

ليس صعبًا أن تكون لطيفًا حين تكون الحياة لطيفة معك ولا أن تمدّ يدك بالسلام حين لا تحمل في قلبك خصومة.
الامتحان الحقيقي يبدأ حين يسيء إليك من أحببت حين يخذلك من ائتمنته، حين تُقابل صدقك بالخيانة وطيبتك بالجحود وحين تجد نفسك أمام فرصةٍ كاملة لتردّ الأذى بأذى أكبر ثم تتراجع لا لأنك عاجز بل لأنك لا تريد أن تصبح نسخةً ممن آلمك.
هنا تحديدًا، تتبدّى العظمة.
فالأخلاق ليست زينةً نرتديها في أوقات الرخاء ولا كلماتٍ نُحسن انتقاءها في المجالس، إنها موقفٌ يتجلى حين تتعارض مصلحتنا مع ضميرنا وحين يصبح الانتقام أسهل من التسامح والقسوة أقرب من الرحمة.

وفي الحب، لا تظهر أخلاقنا حين نكون محبوبين بل حين ينتهي الحب أو يتعثر أو يترك فينا جرحًا لا نعرف كيف نداويه.
أن نحفظ للآخر إنسانيته حتى حين يعجز عن حفظ مكانته في قلوبنا فذلك ليس ضعفًا بل تحررٌ من عبودية الألم.

وفي الأسرة، قد نختلف وقد تتراكم بيننا الكلمات التي لم تُقل والعتابات التي تأخرت ولكن الإنسان النبيل لا يجعل من جراحه ميراثًا يوزعه على أبنائه ولا يحوّل خيباته إلى قسوةٍ على من لم يتسببوا بها.
إنه يدرك أن الألم الذي لا نداويه في أنفسنا قد نُورّثه لمن نحب دون أن نشعر.
وفي العمل لا تُقاس قيمة الإنسان بقدر ما يستطيع أن ينتزع من الآخرين
بل بقدر ما يستطيع أن يحفظ من نزاهته حين تتاح له الفرصة للغدر أو حين يصبح الظلم طريقًا مختصرًا إلى النجاح.
فكم من إنسانٍ صعد عالياً لكنه ترك أخلاقه في أول الطريق
وكم من آخر بقي في مكانه لكنه احتفظ بما هو أثمن من الوصول.

أما في السياسة حيث تتكاثر الجراح وتتشابك المصالح فإن الأخلاق تصبح امتحانًا أكثر قسوة.
فليس كل من امتلك السلطة امتلك الحكمة
وليس كل من انتصر في معركة انتصر في نفسه.
ولعلّ في تجربة المفكر والفيلسوف البوسني علي عزت بيغوفيتش ما يضيء جانباً من هذه الحقيقة.
فقد عرف السجن والاضطهاد، ثم أصبح رئيسًا للبوسنة والهرسك
وظلّ اسمه مرتبطًا بفكرة أن الإنسان لا ينبغي أن يسمح للظلم بأن يصادر إنسانيته.
فالسجن قد يقيّد الجسد، لكنه لا يستطيع أن يسلب المرء حريته الداخلية ما دام قادرًا على ألّا يجعل الكراهية وطنًا يسكنه.

إن التسامح، في جوهره، ليس تبرئةً للظالم ولا إنكارًا لما ارتكبه ولا تنازلًا عن الحق.
إنه قرارٌ بأن نحرر أرواحنا من سلطة الذين آذونا وألّا نسمح لهم بأن يحددوا شكل الإنسان الذي سنصبحه بعدهم.

فالحق لا يحتاج إلى الكراهية كي يبقى حقًا والكرامة لا تحتاج إلى الانتقام كي تثبت وجودها.

وكم من إنسانٍ ظنّ أن ردّ الإساءة سيعيد إليه ما فقد ثم اكتشف أن الانتقام لا يعيد الماضي بل يضيف إلى خسارته خسارةً أخرى
وكم من إنسانٍ اختار الصمت الحكيم لا خوفًا من المواجهة بل لأنه أدرك أن بعض المعارك تربحها حين ترفض أن تخوضها بالطريقة التي يريدها خصمك.
وليس معنى ذلك أن نترك الأبواب مفتوحة أمام من يؤذينا أو أن نخلط بين التسامح والاستسلام، فالأخلاق لا تعني أن نتنازل عن حقوقنا بل أن نطالب بها دون أن نفقد إنسانيتنا.
وأن نضع الحدود دون أن تتحول قلوبنا إلى ساحاتٍ للانتقام.
إن أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان بجراحه ألّا يجعلها سكينًا في يد الآخرين، وألّا يسمح لها بأن تعلّمه القسوة التي عانى منها.

فثمة انتصارات لا تصفق لها الجماهير ولا تُكتب في كتب التاريخ لكنها تحدث في لحظةٍ صامتة حين يختار الإنسان أن يكون أفضل من ألمه وأرقى من إساءتهم، وأكبر من جراحه.

فالعظمة ليست أن تخرج من معارك الحياة بلا جراح بل أن تخرج منها، رغم كل ما أصابك بقلبٍ لم يتعلم الكراهية وأخلاقٍ لم تهزمها الخيبات

عندما تنتصر الأخلاق على الجراح ..عندما تنتصر الأخلاق على الجراح ..

زر الذهاب إلى الأعلى