الأعمدة

نجمة وحيدة تلمع منذ نصف قرن: كيف صنع أبناء الهلال أول لقب قاري في تاريخ السودان؟”


كتب: معاوية أبوالريش
في السادس عشر من فبراير 1970، على الملعب البلدي بالخرطوم، سجّل حسب الرسول عمر “حسبو الصغير” الهدف الذي غيّر تاريخ الكرة السودانية إلى الأبد. هدف واحد كفى لمنح البلاد نجمتها الأولى والوحيدة حتى اليوم، في إنجاز يحمل بصمة الهلال بامتياز، لكنه ظل رغم عظمته أسير توثيق ناقص لا يليق بحجمه.
“استضافة جاءت على عجل”
بين السادس والسادس عشر من فبراير 1970، احتضنت الخرطوم وود مدني النسخة السابعة من كأس الأمم الأفريقية، في أول نهائيات تُنقل تلفزيونياً في تاريخ البطولة. ولم تكن الاستضافة مخططاً لها أصلاً، بل جاءت في اللحظة الأخيرة بعد اعتذار مصر عن التنظيم بسبب ظروف الحرب التي كانت تمر بها.
بذلك استضاف السودان الحدث القاري للمرة الثانية بعد نسخته الافتتاحية عام 1957، تحت رئاسة الدكتور عبد الحليم محمد، أحد الآباء المؤسسين للاتحاد الأفريقي لكرة القدم “الكاف”
“دور المجموعات: انطلاقة قوية وعثرة وحيدة”
افتتح “صقور الجديان” مشوارهم بفوز ساحق على إثيوبيا 3-0، توزعت أهدافه بين علي “قاقرين”، ونصرالدين عباس “جكسا”، وحسب الرسول عمر “حسبو الصغير”. غير أن الفريق تلقى في جولته الثانية خسارته الوحيدة طوال البطولة، أمام ساحل العاج 0-1، بهدف قاتل جاء قبل دقيقة واحدة من صافرة النهاية.
وضعت هذه النتيجة السودان أمام مباراة حسم لا تحتمل غير الفوز أمام الكاميرون. وهناك افتتح “جكسا” التسجيل، قبل أن يعادل الخصم النتيجة، ليعود “حسبو الصغير” ويحسم اللقاء 2-1. أنهى المنتخب دور المجموعات وصيفاً برصيد أربع نقاط، متجاوزاً إثيوبيا والكاميرون إلى نصف النهائي.
“نصف النهائي: أصعب مباراة في البطولة”
في مواجهة استثنائية أمام مصر، تقدّم محمد البشير أحمد بخيت “الأسيد” بهدف السودان الأول، قبل أن يعادل حسن الشاذلي للفراعنة. وامتد التعادل حتى نهاية الوقت الأصلي، لتُحسم المباراة في الوقت الإضافي بهدف ثانٍ لـ”الأسيد”، صانعاً التأهل إلى النهائي بنتيجة 2-1.
ووصف نجم الدين حسن، قلب دفاع ذلك المنتخب، هذه المواجهة بأنها كانت أصعب لحظة واجهها الفريق طوال البطولة، في شهادة أدلى بها لصحيفة “البيان” الإماراتية.
“النهائي: هدف واحد يصنع التاريخ”
في المباراة النهائية أمام غانا، وأمام حشد جماهيري كبير، حسم حسب الرسول عمر “حسبو الصغير” اللقاء بهدف وحيد قاتل، مانحاً السودان أول لقب قاري في تاريخه بنتيجة 1-0. وحمل الانتصار نكهة ثأر خاصة، فغانا نفسها كانت قد هزمت السودان في نهائي 1963.
بهذا الهدف، ختم “حسبو الصغير” البطولة هدافاً للمنتخب برصيد ثلاثة أهداف كاملة، واحد في كل دور حاسم: إثيوبيا، الكاميرون، وأخيراً النهائي التاريخي.
“خلف الكواليس: من الكلية الحربية إلى اهتمام الرئيس”
يروي نجم الدين حسن أن المنتخب أقام معسكره الإعدادي في إحدى المدارس، قبل الانتقال إلى الكلية الحربية لخمسة عشر يوماً كاملة، بعيداً عن الضغوط الإعلامية والجماهيرية المتصاعدة.
ويؤكد أن اهتمام المسؤولين بهذا الجيل بلغ الرئيس جعفر نميري شخصياً، في مؤشر على حجم الأهمية الوطنية التي أُوليت لهذا الاستحقاق القاري الكبير.
“البصمة الهلالية: نصف التشكيلة تقريباً”
شكّل الهلال العمود الفقري الحقيقي لهذا الإنجاز، لا بأسماء عابرة، بل بلاعبين كانوا في قلب اللحظات الحاسمة. ضمّت التشكيلة الهلالية الحارس محمد زغبير، والمدافع محمد أمين زكي حامل شارة القيادة، والمدافع عوض نصر موسى “كوكا”، والمتوسط نصرالدين عباس “جكسا” الذي سجّل هدفين حاسمين أمام إثيوبيا والكاميرون، والمهاجمين عز الدين عثمان “الدحيش” وعلي “قاقرين” صاحب هدف الافتتاح في البطولة.
وإلى جانبهم، استحق نجوم من أندية أخرى نصيبهم من المجد: محمد البشير “الأسيد” من النيل ود مدني، وحسب الرسول عمر “حسبو الصغير” من نادي بري، ونجم الدين حسن من النيل الخرطوم، وعبد العزيز عبد الله عبد الرحمن، وعبد القادر سليمان الجزلي، وبشرى وهبة “المعلم” من المريخ.
“جكسا: من موهبة صاعدة إلى هداف تاريخي”
لم يكن “جكسا” مجرد اسم في كشف اللاعبين، بل صانع أهداف ساهم مباشرة في حسم مباراتين من أصل خمس خاضها المنتخب. جاء تتويج 1970 ثأراً شخصياً له بعد خسارة نهائي 1963 أمام غانا.
وكانت هذه البطولة محطة واحدة في مسيرة دولية امتدت إلى أولمبياد ميونخ 1972، وتُوّجت لاحقاً بلقب الهداف التاريخي المطلق لمنتخب السودان برصيد 27 هدفاً في 54 مباراة دولية، رقم لا يزال قائماً حتى اليوم.
“أكثر من مجرد لقب”
يحمل هذا التتويج بعداً يتجاوز الملعب إلى الهوية الوطنية بأكملها. فهو النجمة الأولى والوحيدة حتى الآن التي يحق لمنتخب السودان حملها فخراً بلقب قاري كبير، في زمن كانت فيه أفريقيا كلها تخطو خطواتها الأولى في كرة القدم المنظمة.
ويكتسب الإنجاز بعداً إضافياً كون السودان أحد الدول الثلاث المؤسسة لـ”الكاف” رفقة مصر وإثيوبيا، ومستضيف نسخته الافتتاحية عام 1957، لتأتي بطولة 1970 ثمرة ناضجة لذلك الدور التأسيسي المبكر.
” حين يلتقي مجد النادي بمجد الوطن”
يمثل هذا الإنجاز نموذجاً بديعاً للعلاقة العضوية بين الأندية الكبرى ومنتخباتها الوطنية، إذ قدّم الهلال نخبة نجومه لصناعة أعظم لحظة جماعية في تاريخ الكرة السودانية. تبقى أسماء محمد زغبير، ومحمد أمين زكي، وعوض “كوكا”، ونصرالدين “جكسا”، وعلي “قاقرين”، وعز الدين “الدحيش”، محفورة في الذاكرة الجماعية.
لا كنجوم هلالية فحسب، بل كصنّاع للحظة نادرة توحّدت فيها ألوان الكرة السودانية خلف علم واحد ونجمة واحدة – تستحق أن تُروى بتفاصيلها الكاملة، لا أن تُختزل في سطر عابر ضمن سجل الإحصاءات.

زر الذهاب إلى الأعلى