
يحيى أبنعوف
في أروقة التاريخ السوداني الممتد، ثمة مسرحٌ لم يهدأ ضجيجه منذ عقود، مسرحٌ لا تظهر فيه الوجوه الحقيقية لأبطاله، بل تتوارى خلف أقنعةٍ وستائرَ حُبكت من خيوط المكر في غرفٍ مظلمة. إنها سيرةُ “الحركة الاسلامية” التي آمنت أن السياسة ليست فن الممكن، بل فن الاختباء خلف ظهور الآخرين، متبعةً في ذلك “عقيدة التوظيف الوظيفي” التي جعلت من الحلفاء مجرد وقودٍ في محرقة بقائها.
الفصل الأول: في ظلال النميري.. مدرسة التغلغل
بدأت الحكاية حين قرر “المتخفون” أن يغزلوا ثوبهم من جلد الآخرين. في زمن “النميري”، تعلموا الدرس الأول: أن الوصول إلى السلطة لا يمر عبر المواجهة العاصفة، بل عبر “التغلغل الناعم”. تسللوا إلى مفاصل المؤسسة العسكرية كخلايا في جسدٍ غافل، فصار الضابط “أخاً”، وصارت الدولة “مزرعة”، وبدأت سيمفونية الولاءات الموازية. في ذلك الحين، تعلموا أن الدولة لا تُحكم من المقاعد الرسمية، بل من خلف “الستار” الذي يوفر الحماية ويمنح الشرعية.
الفصل الثاني: كان البشير والدعم السريع.. عصر الستائر الكبرى
وحين استوى العود، جاء “البشير” ليكون الواجهة الذهبية التي اختبأت خلفها الحركة اللاأسلامية لثلاثة عقود. لكن الطموح الذي لا يرتوي دفعهم إلى “الخطيئة الاستراتيجية الكبرى”؛ استنساخ جيشٍ موازٍ، قوةً بلا هوية، درعاً من لهبٍ أسموه “الدعم السريع”. ظنّوا أنهم سيظلون خلف الستار يحركون خيوط العرائس، بينما الدم يراق بعيداً عن أيديهم. لكن “المسخ” الذي رُبّي ليحمي القصور تمرد على صانعه، لتتحول اللعبة إلى صراعٍ مريرٍ كشف عورة التنظيم أمام شمس الحقيقة.
الفصل الثالث: المليشيات المسلحة وما حدث ” في الدبة” ونهاية الأقنعة
اليوم، ونحن نشهد فصول العبث في “الدبة” بالولاية الشمالية، ندرك أننا أمام “الطلقة الأخيرة” في مسرحية طال أمد عرضها. لقد استنفدت الحركة اللاأسلامية كل حيلها؛ استهلكت الحركات المسلحة، وطوّعت القوى السياسية، ورمت بهم جميعاً في أتون الصراع حين انتهت وظيفتهم. ما يحدث الآن ليس إلا دليلاً قاطعاً على أن “مخزون الأقنعة” قد نفد. فالحركات المسلحة التي ارتضت أن تكون الستار الأخير، ليست إلا محطةً أخرى في دورة “الاستهلاك والاستغناء”، حيث لا يبقى للحليف سوى الفتات أو المحرقة.
الخاتمة: المواجهة العارية
إن الحركة الإسلامية اليوم تقف في منتصف المسرح، بلا أقنعة، وبلا ستائر، وبلا حلفاء. لقد انكشفت اللعبة التي حفظها الشعب السوداني عن ظهر قلب؛ ذلك الكتالوج البائس الذي يبدأ بـ “الاستيعاب”، ويمر بـ “الاستغلال”، وينتهي بـ “الاستغناء”.
إن “الستار” الذي تحاول الحركة استخدامه اليوم هو حتماً “الستار الأخير”؛ فقد جفت أقلام المكر، ونفدت حِيَل الاستدراج، ولم يعد هناك طرفٌ يثق في عقد صفقةٍ مع من جعل “الخيانة التكتيكية” عقيدةً سياسية. لقد انهدم المسرحُ الذي بناه الماكرون على مدار العقود، ولم يعد أمامهم الآن سوى مواجهة التاريخ “عراةً” من كل الأقنعة؛ حيث لا مخرج في الجعبة، ولا غطاء يحجب حقيقة أن زمن “اللعب خلف الكواليس” قد ولى، وأن اللحظة الراهنة هي لحظة الارتطام الحتمي بالواقع.



