الأعمدة

حرب الحافة… إلى أين يمضي جنون القوة؟

لم يعد العالم بحاجة إلى كثير عناء ليدرك أنه يعيش على إيقاع توترٍ مفتوح، تتقاطع فيه المصالح الكبرى مع نزعات الهيمنة، وتشتبك فيه حسابات الردع مع احتمالات الانفلات. غير أن تصوير المشهد بوصفه حربًا شاملة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، قد لا يعكس كامل الحقيقة بقدر ما يعكس ذروة القلق منها؛ إذ لا تزال خطوط الاشتباك—على حدّتها—محكومة بسقفٍ غير معلن يمنع الانزلاق إلى مواجهة كبرى.
ومع ذلك، فإن ما يجري يتجاوز كونه مجرد توتر عسكري عابر؛ فهو صراع متعدد الوجوه، تتداخل فيه الضربات غير المباشرة، وتتحرك فيه أدوات النفوذ السياسي والاقتصادي في آنٍ واحد. هنا، لم تعد ساحات القتال وحدها هي الميدان، بل امتد الاشتباك إلى شرايين الاقتصاد العالمي، وفي مقدمتها مضيق هرمز، الذي ظلّ على الدوام نقطة ارتكاز حساسة في معادلة الطاقة والتجارة الدولية.
إن التلويح بإغلاق هذا الممر الحيوي، أو التحكم في انسياب الحركة عبره، لا يهدد خصمًا بعينه بقدر ما يضع العالم بأسره أمام اختبارٍ قاسٍ؛ إذ إن أي اضطراب كبير فيه لن يقتصر أثره على أطراف الصراع، بل سيمتد إلى اقتصادات بعيدة لا ناقة لها ولا جمل في هذه المواجهة. ومن هنا، فإن سلاح الاقتصاد يبدو أكثر تعقيدًا من سلاح الميدان، لأنه يوسّع دائرة التأثير ويضاعف كلفة التصعيد.
وفي قلب هذا المشهد، تقف دول الخليج على تخوم معادلة دقيقة، تحاول فيها التوفيق بين ضرورات الأمن المرتبطة بتحالفاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية، ومتطلبات الجغرافيا السياسية التي تفرض عليها قدرًا من التوازن في علاقتها مع إيران. فهذه الدول ليست مجرد متفرج على مسرح الأحداث، بل هي جزء من جغرافيته الحساسة، ما يجعل أي تصعيد واسع ينعكس مباشرة على أمنها واستقرارها، بل وعلى طبيعة علاقاتها الاستراتيجية في المستقبل.
وعليه، فإن السؤال لم يعد: هل تندلع الحرب؟ بل: إلى أي حد يمكن أن تذهب؟
ذلك أن المؤشرات الراهنة توحي بأن الأطراف المعنية تدير صراعًا على حافة الهاوية؛ تصعّد بقدر، وتتراجع بقدر، في محاولة لتحقيق مكاسب دون دفع ثمن الانفجار الشامل. غير أن هذا التوازن الدقيق يظل هشًا، وقابلًا للانهيار بفعل خطأ في الحسابات، أو اندفاع غير محسوب، أو حتى بفعل طرف ثالث يوسّع دائرة الاشتعال.
بين سيناريو التصعيد المضبوط، واحتمالات التهدئة المؤقتة، يظلّ الاحتمال الأخطر—وإن كان الأضعف—قائمًا: أن تنفلت خيوط اللعبة، فتتحول المنطقة إلى ساحة مواجهة مفتوحة تعيد رسم خرائط النفوذ، ليس في الشرق الأوسط فحسب، بل في العالم بأسره.
وهنا، يطلّ السؤال الكبير من خلف دخان الوقائع:
هل ما نشهده هو صراع عابر في سياق توازنات دولية متغيرة، أم أنه إرهاص لتحول أعمق يعيد تشكيل النظام العالمي؟
سؤالٌ لا يملك أحدٌ إجابته الكاملة بعد… لكن المؤكد أن كلفته—إن انفلت—لن تكون محصورة في حدود الجغرافيا، بل ستطال معنى الاستقرار ذاته في عالمٍ بات أكثر هشاشة مما نظن.

زر الذهاب إلى الأعلى