الأعمدة
أخر الأخبار

إعادة إعمار الخرطوم… فرصة لبناء مدينة المستقبل لا لاستنساخ الماضي

بقلم: مجتبى ميرغني

تُعد القرارات التي اتخذتها ولاية الخرطوم عبر أجهزتها المختلفة بإزالة التعديات على الطرق والأراضي الحكومية والتشوهات البصرية من أهم الخطوات التي شهدتها العاصمة خلال السنوات الأخيرة. فهي لا تعيد هيبة القانون فحسب، وإنما تمهد الطريق أمام مرحلة جديدة من التخطيط الحضري الذي طال انتظاره.

تُعد القرارات التي اتخذتها ولاية الخرطوم عبر أجهزتها المختلفة بإزالة التعديات على الطرق والأراضي الحكومية والتشوهات البصرية من أهم الخطوات التي شهدتها العاصمة

ولسنوات طويلة، فرضت التعديات والعشوائيات واقعاً أربك التخطيط العمراني، وأعاق تنفيذ العديد من مشروعات البنية التحتية والخدمات الأساسية. واليوم، ومع استعادة تلك المساحات، أصبحت أمام الولاية فرصة تاريخية لإعادة رسم ملامح العاصمة وفق رؤية حديثة تراعي احتياجات الحاضر والمستقبل.

ورغم أن حكومة ولاية الخرطوم تتحمل أعباءً كبيرة في إعادة تأهيل الطرق والجسور وشبكات الكهرباء والمياه والمرافق الخدمية، إلا أن الأولوية ينبغي ألا تقتصر على إعادة ما كان قائماً، بل يجب أن تمتد إلى معالجة المشكلات المزمنة التي ظلت تتكرر عاماً بعد آخر، وفي مقدمتها أزمة تصريف مياه الأمطار.

فمع كل موسم خريف تتكرر المشاهد نفسها؛ شوارع تغمرها المياه، وأحياء تعزلها البرك، وحركة مرورية تتعطل لساعات، وخسائر اقتصادية وخدمية يمكن تجنبها إذا توفرت بنية تحتية حديثة صُممت وفق أسس علمية تراعي التوسع العمراني والتغيرات المناخية.

ومن هنا، فإن مرحلة إعادة الإعمار تمثل فرصة لإعداد مشروع متكامل لتصريف مياه الأمطار، لا يعتمد على المعالجات الموسمية المؤقتة، وإنما يقوم على حلول هندسية مستدامة تستوعب احتياجات المدينة لعقود قادمة.

وفي هذا السياق، يمكن للجهات المختصة الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة، ومن بينها التجربة الماليزية، التي طورت حلولاً هندسية مبتكرة لأنفاق متعددة الاستخدامات تجمع بين خدمة الحركة المرورية والمساهمة في إدارة مياه الأمطار. ولا يعني ذلك نقل التجربة كما هي، وإنما دراسة عناصر نجاحها والاستفادة من الخبرات الفنية التي يمكن تكييفها بما يتناسب مع طبيعة الخرطوم وإمكاناتها واحتياجاتها.

إن مثل هذه المشروعات الاستراتيجية قد تتطلب استثمارات كبيرة، لكنها تمثل استثماراً طويل الأجل يقلل من تكاليف الصيانة السنوية، ويحمي البنية التحتية، ويحد من الخسائر التي تتكرر مع كل موسم أمطار، فضلاً عن مساهمتها في تحسين الحركة المرورية ورفع كفاءة الخدمات.

وتظل الجامعات السودانية، والمراكز البحثية، والمكاتب الاستشارية الوطنية، إلى جانب الشركاء الدوليين، قادرة على تقديم دراسات ورؤى علمية تساعد في اختيار الحلول الأنسب، بما يضمن تنفيذ مشروعات تراعي الواقع المحلي وتحقق أفضل عائد اقتصادي واجتماعي.

إن إعادة إعمار الخرطوم ليست مجرد إعادة بناء ما دمرته الحرب، بل هي فرصة لإعادة التفكير في شكل العاصمة ومستقبلها. فالمدن العظيمة لا تُبنى على أساس تعويض ما فُقد فقط، وإنما على استثمار اللحظات المفصلية لإحداث تحول حقيقي في التخطيط والإدارة والبنية التحتية.

واليوم، وبينما تُزال التعديات وتُسترد الأراضي العامة، تبرز فرصة نادرة قد لا تتكرر لإقامة مشروعات استراتيجية تغير وجه الخرطوم لعقود مقبلة، وتضعها على طريق المدن الحديثة القادرة على مواجهة تحديات النمو العمراني والتغيرات المناخية، وتوفير بيئة حضرية أكثر أمناً واستدامة وجودة للحياة.

زر الذهاب إلى الأعلى