” اعتقلوه لأنه قال الحقيقة.. شاب سوداني يفضح أكاذيب النظام البائد بفيديو من مطار الخرطوم المدمر”
بقلم : المستشار معاوية أبوالريش
في زمن تختلط فيه الحقائق بالأكاذيب، وتصبح وسائل التواصل الاجتماعي ساحة معركة بين الحقيقة والدعاية، برز شاب سوداني شجاع ليكشف النقاب عن واحدة من أكبر الأكاذيب التي روجتها الجهات الرسمية حول إعادة تأهيل مطار الخرطوم الدولي، فكان جزاؤه الاعتقال والتنكيل.
خدعة الصيانة الوهمية: انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي فيديوهات تدّعي أن مطار الخرطوم الدولي يشهد أعمال صيانة مكثفة، وأن عودته للخدمة باتت وشيكة بعد الدمار الذي لحق به جراء الحرب المدمرة. كانت هذه الفيديوهات تهدف إلى بث الأمل الكاذب في نفوس المواطنين وإخفاء حقيقة الوضع المتردي للبنية التحتية في البلاد.
لكن هذا الشاب الشجاع، الذي رفض أن يكون مجرد متلقٍ سلبي للمعلومات المضللة، قرر أن يتحرك بنفسه للتحقق من الحقيقة. استطاع هو ومجموعة من الشباب المرافقين له الوصول إلى مطار الخرطوم وتصوير مقاطع فيديو مباشرة من عين المكان.
الحقيقة الصادمة: كشفت الفيديوهات التي صورها هذا الشاب حقيقة مؤلمة: مطار الخرطوم الدولي لا يزال في حالة دمار شبه كامل. مدخل المطار وصالاته تبدو وكأنها أطلال حرب، بعيدة كل البعد عن أي أعمال صيانة أو تأهيل. الأنقاض والحطام في كل مكان، والخراب يلف المكان من كل جانب.
هذه الصور الحقيقية جاءت لتدحض كل الادعاءات الزائفة التي روجتها الجهات الرسمية، وتكشف مدى التضليل الذي يتعرض له الشعب السوداني يومياً.
الحقيقة تستحق العقاب: بدلاً من أن تحظى شجاعة هذا الشاب بالتقدير والاحترام، كانت النتيجة مختلفة تماماً. فور انتشار الفيديوهات التي فضحت الأكاذيب، ارتفعت أصوات كثيرة تطالب باعتقاله وملاحقته قضائياً، لا لجرم ارتكبه، بل لأنه كشف الحقيقة التي يريدون إخفاءها.
وبالفعل، تم القبض على هذا الشاب من قبل الجهات الأمنية، واتُهم بتهمة “الدخول إلى منطقة عسكرية والتصوير”، في مشهد يعكس مدى انقلاب القيم في البلاد، حيث أصبح قول الحقيقة جريمة تستوجب العقاب، بينما من يكذبون على الشعب يومياً يتمتعون بالحماية والحصانة.
تهمة ملفقة لإخفاء الحقيقة: السلطات اتهمت الشاب بـ”الدخول إلى منطقة عسكرية والتصوير”، وهي تهمة واهية تهدف إلى تبرير الاعتقال التعسفي أكثر من كونها تهمة حقيقية. هذا الاتهام يطرح عدة تساؤلات منطقية مهمة: أولاً: طبيعة المطارات المدنية:
مطار الخرطوم الدولي هو مطار مدني تجاري، وليس قاعدة عسكرية. وفقاً للقانون الدولي ومعايير منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO)، المطارات المدنية تُصنف كمرافق عامة مدنية حتى لو كانت تستضيف أحياناً طائرات عسكرية أو حكومية. هذه المطارات في جميع أنحاء العالم مفتوحة للجمهور في الأساس، وهي مرافق عامة تخدم المواطنين والمسافرين وتمولها الأموال العامة.
حتى في الأوضاع العادية، فإن المناطق “المحظورة” في المطارات المدنية تقتصر عادة على مناطق محددة مثل المدارج النشطة ومناطق التحكم في الحركة الجوية، وليس المطار بأكمله. أما في حالة مطار الخرطوم، فهو مهجور ومدمر وخالٍ تماماً من أي نشاط طيران أو حركة مسافرين أو عمليات تشغيلية، مما يجعله في الواقع أرضاً مهجورة وليس منشأة عسكرية فعالة.
ثانياً: غياب القوة العسكرية: الفيديوهات التي صورها الشاب تؤكد أن المكان كان خالياً تماماً من أي قوة عسكرية أو حراسة أمنية. إذا كان المطار منطقة عسكرية حساسة كما تدعي السلطات، فأين كانت هذه القوات؟ كيف استطاع شاب وأصدقاؤه الدخول بهذه السهولة؟ إن غياب أي حراسة يؤكد أن المكان مهجور وليس منطقة عسكرية فعلية.
ثالثاً: التوقيت المشبوه للاتهام: لماذا لم تُثر هذه التهمة من البداية؟ لماذا جاءت بعد انتشار الفيديوهات وإثارتها ضجة كبيرة؟ هذا التوقيت يكشف أن التهمة ما هي إلا ذريعة للانتقام من الشاب لفضحه أكاذيب الصيانة المزعومة.
رابعاً: مبدأ الشفافية العامة: إذا كانت السلطات تدّعي أن هناك أعمال صيانة جارية في المطار، فلماذا إذن يُعتبر تصوير هذه الأعمال جريمة؟ أليس من حق المواطنين رؤية كيف تُنفق أموالهم العامة؟ إن منع التصوير يؤكد أن هناك شيئاً يُراد إخفاؤه، وهو ما كشفه الشاب بالفعل.
رسالة خطيرة للمجتمع: إن استخدام تهمة “المنطقة العسكرية” لتبرير اعتقال هذا الشاب يحمل رسالة خطيرة: أي مكان يمكن أن يصبح “منطقة عسكرية” بين عشية وضحاها إذا احتاجت السلطات لذلك. هذا يعني أن أي مواطن يحاول كشف الحقيقة يمكن أن يتهم بالدخول إلى “منطقة محظورة” حتى لو كان المكان مفتوحاً ومهجوراً.
هذه الرسالة تهدف إلى ترهيب كل من يفكر في التحقق من المعلومات الرسمية أو كشف التضليل الذي تمارسه الجهات الحكومية. إنها محاولة لخلق مجتمع من الخائفين الصامتين الذين يتلقون المعلومات دون نقد أو تمحيص.
دور وسائل التواصل في عصر المعلومات المضللة: يسلط هذا الحادث الضوء على التحدي الكبير الذي تواجهه المجتمعات في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تختلط الحقائق بالأكاذيب، وتصبح الدعاية أسهل وأسرع انتشاراً من الحقيقة.
في الوقت الذي تستخدم فيه الجهات الرسمية هذه الوسائل لنشر المعلومات المضللة وخداع الرأي العام، يصبح دور المواطنين الواعين أكثر أهمية في التحقق من الحقائق وكشف الأكاذيب، حتى لو كان الثمن باهظاً.
ثمن الشجاعة في مواجهة الطغيان:
إن ما حدث لهذا الشاب الشجاع ليس حادثة معزولة، بل جزء من نمط أوسع يهدف إلى قمع الأصوات الحرة وإسكات من يجرؤ على قول الحقيقة. إنه ثمن الشجاعة في مواجهة نظام يفضل الكذب على الحقيقة، والتضليل على الشفافية.
لكن رغم هذا القمع والترهيب، فإن فعل هذا الشاب يبقى شاهداً على أن هناك من يرفض الاستسلام للكذب والتضليل، ومن يدفع الثمن غالياً من أجل أن تصل الحقيقة للناس.
إن قصة هذا الشاب السوداني تطرح أسئلة مهمة حول مستقبل الحريات والشفافية في البلاد. هل سنقبل بأن تصبح الحقيقة جريمة؟ هل سنسمح لثقافة الكذب والتضليل أن تسود؟
الإجابة على هذه الأسئلة تكمن في موقفنا جميعاً من هذا الحادث. إن صمتنا اليوم سيعني قبولنا بواقع تصبح فيه الحقيقة جريمة، والكذب فضيلة. أما وقوفنا مع الحقيقة ومع من يضحون من أجلها، فسيكون بداية الطريق نحو مجتمع أكثر عدالة وشفافية.
إن شجاعة هذا الشاب يجب أن تكون مصدر إلهام للجميع، تذكرنا بأن الحقيقة تستحق كل التضحيات، وأن الصمت في مواجهة الظلم هو شكل من أشكال التواطؤ معه.



