الأعمدة

كلا الجنرالين يعلمان ذلك، ولكن الحقد والأطماع التي تملأ صدورهما تجعلهما غير أبهين بكل ذلك

عصب الشارع – صفاء الفحل
حرب الفرص الأخيرة
الرئيس المصري الراحل أنور السادات وبعد تحقيقه النصر وعبوره قناة السويس لم تأخذه العزة بذلك النصر، ولم يقل بأنه سيرمي بإسرائيل في البحر، بل اتجه للسلام وقال بأن تجنح للسلم وأنت منتصر خيراً من الجنوح له وأنت مهزوم. الشعب السوداني اليوم وبعد هذه السنوات من الحرب والقتل والدمار ليس بحاجة إلى مزيدٍ من الحرب بقدر ما هو بحاجة إلى الهدوء والسلام، وهذا ليس تقليلاً من التقدم الذي حققته القوات المسلحة بالتعاون مع المليشيات المساندة لها؛ فحكومتا (بورتسودان ونيالا) تعلمان بأن لا أحد منهما يستطيع أن يرمي بالآخر في البحر، وأن قتالهما العبثي هذا سيظل الخاسر الوحيد منه هو المواطن السوداني البسيط ومستقبل أجياله القادمة.
لا حكومة نيالا ستعود لدخول الخرطوم مرة أخرى كما يردد (دقلو)، ولا حكومة بورتكوز تستطيع السيطرة على الولايات الغربية كما يردد (البرهان)، وستظل الحرب سجالاً بين الطرفين لعشرات السنين، ويموت فيها كل يوم عشرات الشباب من الطرفين، وتدمر فيها كل صباح واحدة من بنى البلاد التحتية، ويستمر التشرد والجوع والمرض، وكلا الجنرالين يعلمان ذلك، ولكن الحقد والأطماع التي تملأ صدورهما تجعلهما غير أبهين بكل ذلك.
ظلت الحكومة الكيزانية تقاتل العدل والمساواة (خليل) حتى بعد رحيله، وتحرير السودان (مناوي) لسنوات طويلة رغم أنهما كانا مشردين في الفيافي ولا يملكان السيطرة على مدينة واحدة، ولا يملكان السلاح أو المال أو الدعم الكافي من دول الجوار، ورغم ذلك لم تستطع القضاء عليهما، وعادت أخيراً إلى مائدة التفاوض ليصبحا اليوم (قوات مساندة) للجيش، فما الذي يمنع وقف القتل والدمار اليوم للتفاوض بدلاً عن هذا العبث؟
ما يمنع اتجاه (الجيش) للتفاوض ليس أن الدعم السريع مليشيا متمردة أحرقت وسرقت وقتلت، فما فعله (موسى هلال) الذي تحتضنه اليوم كان أفظع من ذلك وما زال مطلوباً من المحكمة الدولية في جرائم حرب، وما تفعله ما يسمى بالمجموعات المساندة أبشع من ذلك أيضاً.
والأسباب الأساسية لاستمرار هذه الحرب بعيداً عن ذلك التغييب تتمركز حول نقاط محددة؛ أولها المحافظة على أفراد وأموال النظام السابق -ولن نقول عودته التي أصبحت (مستحيلة)- بالإضافة إلى عدم التفريط في قبضة قيادة الجيش على السلطة وبالتالي على اقتصاد البلاد، والتفريط وعودة الدولة المدنية وإخراجهم من السياسة يعني نهاية الفرصة الأخيرة بالنسبة لهم. أما بالنسبة لقيادات المليشيات الدارفورية فإن القضاء على (الدعم السريع) الذي حاربهم لسنوات طويلة يظل قضية ثأر وانتقام وسيطرة على أراضي غرب البلاد، ويعلمون أيضاً بأنها الفرصة الأخيرة بالنسبة لهم أيضاً، ما يعني بأن كافة أطراف الحرب ليس لديها الرغبة في التفاوض، وأن (الجنرالين) سيظلان يتقاتلان حتى يموتان وهما يحملان وزر الملايين، ويلقيان مع (أبي لهب) أسوأ أنواع العذاب، ويخلدهما التاريخ كأسوء شخصين في كتاب الوطن الأسود.. والتاريخ أيضاً يسجل أن الديكتاتوريين دائماً ما يموتون أسوأ ميتة، ولن يحصلا على الراحة لا في الدنيا ولا في الآخرة.. أعوذ بالله..
وثورتنا في كافة الأحوال لن تتوقف.
والحساب والقصاص آتٍ عاجلاً أو أجلاً.
والرحمة والخلود أبداً لشهدائنا.

زر الذهاب إلى الأعلى