الأعمدة

خلف كواليس الحوار: أين تذهب ثروات الشعب السوداني…؟…

أسامة كنينة
نقرأ ونسمع يومياً عن مبادرات السلام، وطاولات الحوار، والمسارات السياسية في السودان. تمتلئ الأوراق ببنود وقف إطلاق النار، نسب المشاركة، آليات الإقصاء، ومحاربة خطاب الكراهية. وهي بلا شك قضايا حيوية في بلد يمزقه السلاح. ولكن، ثمة سؤال جوهري يستوقف القارئ والمتابع العادي، سؤال يصرخ به الواقع وتتجاهله النصوص: أين الاقتصاد في كل هذا؟
الكل يعترف في اللقاءات والخطابات بوجود نهب منظم للموارد، والكل يقر بأن معاناة السوداني الأساسية مرتبطة بانهيار الخدمات، وغلاء الدقيق والدواء، وشلل المدارس والمستشفيات. ومع ذلك، تمر وثائق الحوار على هذا المحور مرور الكرام، بعبارات فضفاضة من شاكلة “معالجة جذور الأزمة”، دون وضع آلية واحدة توقف النزيف.
1. منطق “إطفاء الحريق” وهندسة التفاوض القاصرة
تُصمم جولات الحوار عادةً بعقلية “إسعافية” تهدف فقط إلى إسكات البنادق وتوزيع كعكة السلطة بين الأطراف المتصارعة. ينظر السياسيون والعسكريون إلى الملف الاقتصادي باعتباره “تفصيلاً مؤجلاً” يعالج نفسه تلقائياً بمجرد توقف الحرب وتدفق المساعدات الدولية.
هذا الفهم القاصر يسقط من حساباته أن الحروب في السودان لا تشتعل لأسباب أيديولوجية مجردة، بل هي صراع عنيف على الموارد والسيطرة عليها. وتأجيل وضع سياسات حاسمة لإدارة هذه الموارد يعني ببساطة شرعنة استمرار نهبها تحت غطاء “فوضى المرحلة”.
2. الإدارة بالأزمات: صناعة الجوع لإلهاء الشارع
عندما تحوّل القوى المسيطرة حياة المواطن إلى رحلة بقاء يومية شاقة—يبحث فيها عن رغيف الخبز، وجرعة الدواء، وأنبوبة الغاز—فإنها تمارس، وعياً أو دون وعي، استراتيجية “الإلهاء بالأزمات”.
المواطن المستنزف يفقد القدرة على الضغط السياسي ومساءلة الحكام حول أين تذهب عائدات الذهب والبترول والزراعة والموانئ؟ يصبح أقصى طموح الشعب هو الحصول على “الخدمة” كمنحة، بدلاً من المطالبة بـ”الهيكلة الاقتصادية العادلة” كحق أصيل.
3. الهروب من لغة الأرقام الحاسمة
السياسة تحتمل المساومات والرمادية؛ يمكن التنازل عن مقعد وزاري أو صياغة بند دستوري حمال أوجه. أما الاقتصاد فهو لغة أرقام حاسمة لا تقبل التجميل. مناقشة “السيادة على الموارد” و”التوزيع العادل للثروة” تتطلب تحديداً واضحاً لجهات التحصيل والصرف، وتفكيكاً لشبكات “اقتصاد الظل” التي تتربح من الحروب. ولأن الأطراف المتفاوضة لا تملك الرغبة—أو القدرة الفنية—على مواجهة هذه الاستحقاقات، فإنها تهرب إلى الأمام بعبارات إنشائية عاطفية لا تطعم جائعاً.
4. غياب أصحاب المصلحة وعقدة “صكوك الغفران”
تُصاغ وثائق السلام في غرف مغلقة تضم النخب السياسية والعسكرية والقانونية، بينما يغيب عنها التكنوقراط المستقلون، وممثلو المزارعين، والعمال، والقطاعات الإنتاجية التي تحمل عبء الدولة. هذا الغياب ينتج اتفاقيات تبدو في كواليسها وكأنها تمنح “صكوك غفران” مالية؛ حيث يتم التغاضي عن المحاسبة الاقتصادية بأثر رجعي مقابل قبول الأطراف بالجلوس على طاولة المساومة السياسية.
خاتمة: السلام الذي لا يطعم شعباً.. ليس سلاماً
إذا كانت كل وثائق الحوار تخلو من رؤية لاقتصاد عادل، وتكتفي بالاعتراف الشفهي بالنهب، فأي خلاص ننتظر؟
الجائع لا يسأل عن تفاصيل النظام البرلماني أو الرئاسي، بل يسأل عن لقمته. والمريض لا ينتظر منصة سياسية، بل ينتظر دواءه. والنازح لا يهمه توزيع مقاعد البرلمان، بل يهمه سقف يؤويه وأمان يعيده إلى أرضه المنتجة.
عندما نقرأ وثيقة سلام لا تضع “السيادة على الموارد”، و”محاسبة الناهبين”، و”التوزيع العادل للثروة” كبنود فوق دستورية وأولوية قصوى، فنحن أمام شيء آخر تماماً غير السلام… نحن أمام “هدنة محاربين” بانتظار جولة نهب قادمة.

زر الذهاب إلى الأعلى