الأعمدة

حكومة الشعارات.. كيف تحولت “المشروعات الكبرى” إلى حطام إداري في دولة الأزمات؟

سُم الخياط
آية الغازي كشان
حين كُتب مقال “حكومة مشروعات” قبل أربع سنوات وأربعة أشهر، محتفياً بوعود التكنوقراط والخطط الإستراتيجية والمشاريع الوصفية التي ساقها المستشارون لتبرير وتلميع صعود شخصيات بعينها إلى واجهة المشهد، بدأ الواقع محملاً ببريق الأمل في التغيير.
يومها، رُوّج لبروفسير كامل إدريس باعتباره “المنقذ” الذي يحمل في جعبته عصا موسى؛ شبكات مواصلات عملاقة، استقراراً معيشياً، نهضة زراعية، وتصفيراً كاملاً للمشاكل الإدارية والهيكلية للدولة السودانية، غير أن التاريخ السياسي لا يرحم الوعود المنفوخة بالدعاية، ولا يثبت إلا الحقائق المجردة على الأرض.

اليوم، وبعد أن أكل الدهر على تلك الشعارات وشرب، تتكشف الحقيقة المرة: لقد كان ما قُدّم بوصفه “مشروعات دولة” مجرد حبر على ورق، وهندسة دعائية فارغة احتضنتها رغبة النخب في إعادة تدوير السلطة. الفشل الذي ضرب مفاصل الدولة السودانية خلال تلك الفترة لم يكن وليد الصدفة، بل كان فشلاً إدارياً بحتاً وممنهجاً، أسفر عن تعرقل المشهد السياسي بأكمله وتوسيع جذور الأزمات الانتقالية.

إن الحكومات الحقيقية والناجحة لا تُدار بما يُعرف بـ “المحاصصات السياسية” والتداعي المحموم نحو تقاسم السلطة ومكتسبات الحكم؛ فالأوطان لا تُبنى بترضيات الأحزاب ولا بصراع النفوذ والواجهات.

إن إدارة الدول تُبنى على قواعد راسخة أساسها كشف الثغرات الهيكلية والإدارية ومعالجتها علمياً ومؤسسياً، بالاعتماد الحقيقي على أصحاب الاختصاص وأهل الدار؛ أولئك الذين يدرسون ويختصون في مجالاتهم الدقيقة، ويمتلكون القدرة العلمية والميدانية الحقيقية على الإسهام في إنماء وتطوير البلاد بعيداً عن منطق الولاءات الضيقة والشعارات الزائفة.

وحين تُترك إدارة المرافق لمن لا يمتلك أدواتها، وتُدار الدولة بذهنية الخطابات الفضفاضة بعيداً عن الكفاءة والقدرة الفعلية على التنفيذ، تصبح النتيجة الحتمية هي ما عشناه وما زلنا نعيشه؛ شلل تام في مفاصل الخدمات، وتمدد الفوضى الإدارية، واختفاء تلك المشاريع البراقة التي بُنيت عليها آمال وهمية.

إن الوعود التي أُطلقت لإنقاذ الاقتصاد وبناء الجيش وتصحيح مسار التنمية تحولت إلى أعباء إضافية أثقلت كاهل المواطن، الذي وجد نفسه ضحية لصراع الكراسي وهندسة الزعامات.

التاريخ السياسي السوداني يدور للأسف في دائرته المفرغة ذاتها؛ نفس الدوائر التي كانت تطبل وتصفق لأطروحات الأمس، هي ذاتها التي تتقلب اليوم لتطالب بالإقالة والتنحي بعد أن اصطدمت الوعود بصخرة الواقع الفاشل.

والدرس المستفاد هنا هو أن بناء الدول لا يتم بالهندسة الإعلامية ولا بشخصنة الحلول، بل يُبنى حين يُوضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وحين تُدار الدولة بعقلية الخبير لا بعقلية المحاصص.
كلمة أخيرة:
إن الخروج بالسودان من دائرة الإخفاقات التاريخية المتكررة يتطلب قطيعة جذرية مع عقلية التخبط والترضيات، وفتح الباب على مصراعيه أمام الطاقات الشبابية الواعدة والقيادات الكفؤة، مع الاستناد الواعي إلى الخبرات والممارسات الميدانية العميقة لمدارس التخطيط الاستراتيجي كالرؤى التي يقدمها الخبير الاستراتيجي دكتور محمد حسين أبو صالح وغيره من قامات الاختصاص لتشكل هذه العقول مجتمعة آلية عمل وطنية مؤسسية، قادرة على تشخيص الثغرات، وهندسة المعالجات الحقيقية، وإدارة الدولة برؤية علمية تتجاوز الشعارات إلى بناء المستقبل.

زر الذهاب إلى الأعلى