الأعمدة

أعلى هامان يا فرعون.. (استراحة جمعة)

.(موطئ قلم)
محمد عبد الله برقاوي
الفرعنة، في المفهوم الشعبي لمجتمعاتنا الشرقية، تعني فرد العضلات، وادعاء الفتوة، وافتعال السطوة، وفرض السيطرة على مقدرات الآخرين، استنادًا إلى مركز قوة، بطريقة أو بأخرى.
غير أن الفرعنة، في سياقها التاريخي، قد تأخذ أبعادًا متعددة تتجلى في شخصية الفرعون، التي تجمع بين جبروت الطغيان، وتوهُّم الألوهية، والعياذ بالله، وشيء من الغباء الذي يستغله حواريوه لكسب رضاه، عبر الإفراط في تقريظه بما لا يستحق، وممارسة النفاق الذي يزيده استغفالًا لنفسه، ويجعله مادة للسخرية في مواقف شتى.
ثم تقوده تلك النفخة الكاذبة إلى الهلاك، ليصبح عبرة في صفحات التاريخ لكل من يتخذ من سيرته درسًا يتعظ به، فينجو بنفسه من الوقوع في المصير ذاته. ومع ذلك، قد يتخذ بعضهم من سلوكه نموذجًا يُحتذى في الانحراف، غافلين عن أن الطريق نفسه، مهما اختلفت الأزمنة والوسائل، قد يقود إلى النهاية ذاتها.
ولعل من صور السخرية من أوهام الفرعون أن وزيره هامان ظل يزكي له غروره، ويغذي في نفسه أوهام القدرة الخارقة، حتى خُيّل إليه أنه قادر على إحياء الموتى.
وتُروى في هذا السياق حكاية ساخرة عن امرأة جاءت إلى الفرعون تطلب منه أن يعيد الحياة لشاتها التي نفقت. فدخل هامان ليبلغه بحاجة المرأة، فرد عليه الفرعون بأنه مشغول الآن بالتفكير في كيفية خلق الإبل!
فضحك هامان هازئًا، وقال عبارته التي ذهبت مثلًا: «أعلى هامان يا فرعون!».
وهي عبارة تُضرب فيمن يتجاوز حدود المعقول، ويتمادى في غروره، حتى يصبح موضعًا للسخرية، ولو جاءت ممن هم أقرب المقربين إليه.
ولعل العبرة حاضرة في ذاكرتنا نحن الذين درسنا في ظل نظام التعليم القديم، ونهجه المتفرد، حين طالعتنا كتب المطالعة بقصة «فرعون وقلة عقله»، التي صوّرت كيف يمكن للمنافقين أن يصنعوا من الحاكم أسيرًا لوهمه، حتى يصدق ما ينسجه خياله عن عظمته، ويعجز عن رؤية الحقيقة التي يراها الآخرون من حوله.
ومن تلك الحكايات قصة الثوب الذي أوهمه المتملقون أنهم خاطوه له من خيوط النور، وأنه لا يراه إلا المصطفون من أصحاب الفطنة والقدرة على إدراك عظمته!
وحين خرج فرعون يتبختر في موكبه، معتقدًا أنه يرتدي حلة لا مثيل لها، كان الناس يكتمون ضحكاتهم خوفًا من بطشه، بينما يسخرون في سرهم من ملكهم الذي خدعه غروره، وأعماه نفاق حاشيته عن حقيقة ما هو عليه.
لكن طفلًا صغيرًا حسم المشهد بضحكة بريئة، وهو يشير بإصبعه إلى الملك، مرددًا ما معناه: انظروا إلى هذا الرجل العاري، كما ولدته أمه!
لقد استطاع الطفل، بعفويته وجرأته، أن يقول ما عجز الكبار عن قوله، لا لأن الحقيقة كانت غائبة عنهم، وإنما لأن الخوف كبّل ألسنتهم، وجعلهم أسرى الصمت، فيما ظل الملك أسير الوهم.
فيا تُرى، كم من فرعون في زماننا هذا يحيط به المنافقون، وينسجون له ثوبًا من الأوهام لا وجود له، بينما يتظاهر المحيطون به بالإعجاب والهيبة، ويخفي بعضهم شماتته، ويتربص آخرون بلحظة سقوطه، ليتنصلوا من مسؤولية مشاركتهم في صناعة الوهم، ويلقوا عليه وحده وزر ما صنعوه جميعًا؟
وكم من حاكم يظن أن التصفيق دليل المحبة، وأن التملق شهادة استحقاق، وأن الصمت علامة رضا، بينما هو في الحقيقة صمت الخائفين، أو انتظار المتربصين، أو عجز الذين لم يجدوا بعدُ ذلك الطفل الذي يجرؤ على كشف الحقيقة!
إن أخطر ما يواجه الحاكم ليس أن يحيط به خصومه، بل أن يحيط به من يحجبون عنه الحقيقة، ويزينون له الخطأ، ويجعلونه يصدق أن ما يراه الناس عظمةً ليس إلا غرورًا، وأن ما يسمعه من هتاف ليس إلا صدى نفاق.
وعندها، قد لا يحتاج سقوطه إلى قوة استثنائية، بل إلى كلمة صادقة واحدة، يقولها طفل أو رجل لم يعد يخشى العواقب، فتتكشف الحقيقة التي ظل الجميع يعرفونها، ويخافون إعلانها.
وكونوا دائما بخير وجمعة.
مباركة على الجميع .

زر الذهاب إلى الأعلى