الأعمدة

إصلاح التعليم في السودان: نحو مدرسة ديمقراطية ومناهج قائمة على العدالة والمساواة

أ. فائزة نقد
يُعد التعليم أحد أهم ركائز بناء الدولة الحديثة وأدوات تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة. ولا يمكن الحديث عن تحول ديمقراطي حقيقي أو نهضة وطنية شاملة دون نظام تعليمي وطني يرسخ قيم المواطنة والمساواة والتفكير النقدي، ويتيح فرصاً متكافئة لجميع أبناء وبنات الوطن.
ومن هذا المنطلق، فإن قضية إصلاح التعليم في السودان لا تنفصل عن مهمة تفكيك الإرث الشمولي الذي أضر بمؤسسات الدولة، وأضعف العملية التعليمية، وعمّق التفاوتات الاجتماعية والثقافية.
أولى الخطوات الملحة لإصلاح التعليم هي تفكيك النظام الشمولي فكراً وممارسة.
ونحن نناضل لتفكيك النظام الشمولي، نضع في اعتبارنا المكانة الخاصة للتعليم. وأيضاً ونحن نناضل لفتح الطريق أمام مرحلة انتقالية بأفقها المؤدي إلى نظام ديمقراطي، يجب أن نستصحب التجارب والبرامج السابقة في مجال إصلاح التعليم خلال الأعوام 1955 و1964 و1970، بما يعني أننا لا نبدأ من الصفر، بل نبني على تراكم معرفي وخبرات وطنية مهمة، وعلى رأسها مخرجات المؤتمر التربوي لعام 1970.
فإصلاح التعليم الذي ننشده يتمثل في الآتي:
أولاً: المدرسة (المؤسسة التربوية)
– مدرسة مجانية عامة، يتساوى فيها الجميع.
– مدرسة ديمقراطية، تحظى بقدر كبير من التنوع والمرونة.
– مدرسة مؤهلة تربوياً، تضم المعامل والمكتبات وغرف الفنون والمسارح وغرف الأنشطة والتدبير والملاعب الرياضية وغيرها من المرافق الضرورية.
– إلغاء المدارس النموذجية وإنهاء الصفوية التي تتعارض مع العملية التربوية من أساسها.
– مراجعة منهجية للتعليم الخاص الراهن، مع الاستفادة من تجربة التعليم الأهلي التي لعبت دوراً مهماً في تاريخ التعليم السوداني.
ثانياً: المناهج
لابد من إعادة صياغة وتأهيل المناهج مع مراعاة الآتي:
– قومية المناهج بما يلبي تركيبة وتنوع المجتمع السوداني.
– تحريرها من رواسب الجهل والخرافة والدجل.
– غرس وتعميق التفكير العلمي والمنطقي.
– غرس أساليب التعلم الناقدة ونبذ المسلمات.
– إعلاء شأن الأسس التربوية السليمة للتوصل إلى روح التساؤل والبحث والاكتشاف، بما يبعد التلاميذ عن الانغلاق.
– مناهج تساعد على التفكير والترتيب والتنظيم والاستنتاج.
– مناهج تنقل التلاميذ من الحفظ والتلقين إلى التعلم، ويتحول فيها المعلم إلى مرشد وخبير في شؤون البحث بدلاً من أن يكون مجرد ناقل للمعلومات.
– أن تشمل المناهج مواد نظرية ملحقة بجوانب عملية.
– سد الفجوة بين العمل الذهني والعمل العضلي.
ومن الضروري كذلك النظر إلى المناهج التعليمية من زاوية العدالة والمساواة بين الجنسين. فالتاريخ التعليمي في السودان شهد تمييزاً واضحاً بين ما يُدرَّس للبنين وما يُدرَّس للبنات، حيث كانت الفتيات يُوجَّهن بصورة أساسية إلى مواد التدبير المنزلي والخياطة، بينما تُخصص المواد العلمية والتقنية للأولاد. وقد شكّل رفض هذا التمييز إحدى المحطات المبكرة في تاريخ الحركة النسوية السودانية، عندما قادت الطالبة فاطمة أحمد إبراهيم، إبان دراستها بمدرسة أم درمان الثانوية للبنات في خمسينيات القرن الماضي، احتجاجاً ضد حصر تعليم الفتيات في التدبير المنزلي وحرمانهن من فرص التعليم المتكافئ. وقد ترتب على ذلك فصلها مع الطالبة خنساء وعدد من الطالبات الأخريات، في واقعة أصبحت رمزاً للنضال من أجل المساواة في التعليم.
ورغم أن المناهج الدراسية أصبحت اليوم موحدة من الناحية الشكلية، فإن آثار الذهنية الذكورية لا تزال حاضرة في كثير من جوانب العملية التعليمية. لذلك ينبغي أن تكون المناهج خالية من أي مضامين تكرس التمييز أو العنف ضد النساء، وأن تعزز قيم المساواة والعدالة واحترام التنوع، وتقدم صوراً متوازنة لأدوار النساء والرجال في المجتمع ومجالات العمل والإنتاج والحياة العامة.
ولا يقتصر الأمر على المناهج وحدها، بل يمتد إلى البيئة المدرسية نفسها. فعلى الرغم من أن أعداد الطالبات في كثير من المناطق تفوق أعداد الطلاب، فإن مدارس البنات ما تزال تعاني من قصور واضح في المباني والمرافق والخدمات الأساسية. ولا تزال الذاكرة تحتفظ بحوادث مأساوية، منها وفاة معلمة نتيجة انهيار مرحاض بإحدى المدارس. كما توجد مدارس تفتقر إلى المرافق الصحية المناسبة، الأمر الذي يضطر بعض الطالبات إلى العودة إلى منازلهن أو استخدام مرافق المنازل المجاورة أثناء اليوم الدراسي.
وتسهم هذه الأوضاع في زيادة معدلات التسرب من التعليم وسط الفتيات، الأمر الذي يفتح الباب أمام مشكلات اجتماعية أخرى، من بينها زواج القاصرات وحرمان الفتيات من فرص التطور والاستقلال الاقتصادي. والمفارقة أن الفتيات أصبحن يشكلن اليوم نسبة كبيرة من الدارسات في الجامعات والمعاهد والكليات، بل إن عدد الخريجات يفوق في بعض الأحيان عدد الخريجين، ومع ذلك لا ينعكس هذا التفوق الأكاديمي على حجم مشاركتهن في مواقع القيادة وصنع القرار أو في المناصب المرتبطة بتخصصاتهن المهنية.
لذلك ينبغي:
– الانتباه إلى أن تكون المناهج خالية من الفوارق بين المرأة والرجل، بل معززة لاحترام إنسانية المرأة وأهمية مشاركتها في عملية الإنتاج.
– محاربة العنف ضد النساء وترسيخ ثقافة المساواة الكاملة بين الجنسين.
– أن تكون المناهج ذات محتوى يحترم حقوق الإنسان وحقوق المرأة والطفل.
ثالثاً: المعلم
– تحسين كادره الوظيفي تقديراً لدوره في التنمية البشرية.
– تحسين طرق التدريس وأساليبه.
– التدريب عبر دورات تنشيطية وإعادة تأهيل أثناء الخدمة، على غرار تجارب بخت الرضا، مع مواكبة المضمون وربط النظري بالعملي.
– إعادة فتح معاهد التأهيل التربوي لتقوم بدورها في تدريب وتأهيل المعلمين أثناء الخدمة.
– إحياء معاهد تدريب المعلمين والمعلمات المجربة ذات الحصيلة الإيجابية في مجال التربية والتعليم.
– مراجعة واقع كليات التربية التابعة للجامعات، والتي يغلب عليها الطابع النظري مع جرعات محدودة من التدريب العملي، بما يؤدي إلى معالجة أوجه القصور في إعداد الخريجين.
ما ننشده؛ إعداد كوادر قومية مؤهلة ومدربة وقادرة على إنجاز خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية المتوازنة، بما يسهم في إزالة المظالم التاريخية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وترسيخ الوحدة الوطنية على أسس جديدة من المساواة والمواطنة.
إن إصلاح التعليم ليس مجرد تعديل للمناهج أو تحسين للمباني المدرسية، بل هو مشروع وطني شامل لإعادة بناء الإنسان السوداني وإطلاق طاقاته الخلاقة. فالتعليم العادل والديمقراطي هو الضمانة الحقيقية لمجتمع يحترم التنوع، ويصون حقوق النساء والرجال على السواء، ويؤسس لدولة المواطنة والقانون. ومن دون معالجة جذور التمييز والإقصاء داخل النظام التعليمي، سيظل الحديث عن التنمية والديمقراطية ناقصاً. لذلك فإن معركة إصلاح التعليم هي في جوهرها معركة من أجل المستقبل، ومن أجل سودان أكثر عدلاً ومساواة وقدرة على النهوض.
#عدالة_نسوية

زر الذهاب إلى الأعلى