الأعمدة

بنية الدولة البوليسية وإنتاج المعارضة الصورية: الحزب القومي السوداني نموذجاً.

آدم دلدوم ميدوم
*ملخص:*
تتناول هذه الورقة ظاهرة تفريغ العمل السياسي من مضمونه في ظل الدولة المركزية الأحادية في السودان، من خلال آليتين متلازمتين: صناعة الخوف، وإنتاج كيانات سياسية معمولة.
*أولاً: من الدولة القانونية إلى الدولة البوليسية*
تتحول الدولة من كيان قانوني يقوم على عقد الحقوق والواجبات، إلى بنية بوليسية تقوم على ثنائية الترغيب والترهيب. في هذا النموذج، يصبح الأمن والمخابرات هو المركز الفعلي للقرار، وتتراجع فكرة المواطنة لصالح منطق الطاعة والولاء. والنتيجة المباشرة هي مجتمع خائف لا يملك شروط حريته، وتغيب فيه الحريات الأساسية بما فيها حق التنظيم وصولاً إلى الحق في الحياة نفسها.
*ثانياً: تفريغ الحزب السياسي وتحويله إلى لافتة*
في ظل مجتمع الخوف، لا يتم حظر الأحزاب بالضرورة، بل يتم إفراغها. يتحول الحزب من مشروع فكري وبرنامج سياسي إلى مجرد جسم إداري ولافتة صورية مجردة من قضاياها الجوهرية. ويترتب على ذلك تغييب ممنهج للقيادة السياسية الحقيقية، التي تجد نفسها أمام خيارين: العمل السري تحت الأرض، أو المنفى كمطاردة سياسية.

ولملء الفراغ، يتم إنتاج ما يمكن تسميته بـ “المعارضة المسموح بها”. وهي قيادات شكلية، مرخصة ومراقبة من قبل السلطة، تحمل الاسم الحرفي للحزب دون فكره. وهي في حالة الحزب القومي السوداني، تختزل إرث المؤسس الأب فيليب عباس غبوش – الذي أسس حزباً واحداً موحداً عام 1985 على أسس علمانية فيدرالية منحازة للهامش – في بضعة شعارات، متخفية خلف تاريخه ونضاله، بينما الإرث الفكري نفسه غير قابل للمساومة.
*ثالثاً: آلية الانشقاق المُدار كأداة للمركز الأحادي*
تطرح حالة الحزب القومي السوداني إشكالية نظرية: فالانشقاق الحزبي عادة ما يكون نتاج خلافات موضوعية حول البرنامج والرؤية، إلا أن الانشقاقات التي تعرض لها الحزب القومي تفتقر إلى أي مبرر فكري جوهري أو مقبول.
وتفترض هذه الورقة أن الفاعل الحقيقي وراء هذه الانشقاقات ليس ديناميكية داخلية، بل قوى المركزية الأحادية التاريخية. فأول من عمل على شق الحزب القومي كانت القوى التقليدية ممثلة في الصادق المهدي، في إطار سلوك درجت عليه الأحزاب الطائفية لمنع قيام بديل وطني. ثم قامت الحركة الإسلاموية بتقنين هذه الآلية وتطويرها عبر ما عُرف بسياسة “أحزاب التوالي”، وهي سياسة مستمرة بذات المنطق إلى اليوم.
*خاتمة:*
إن محنة الحزب القومي السوداني ليست أزمة تنظيم داخلي، بل هي تعبير عن أزمة بنيوية للدولة السودانية. ما دامت الدولة تنتج الخوف وتنتج كياناتها السياسية المعمولة، ستظل الأحزاب الحقيقية مطاردة، وستظل المعارضة الحقيقية في المنفى.

زر الذهاب إلى الأعلى