#روما، رضوان علي الحسن
في ليلة دافئة على أرض ملعب لوسيل المونديالي في الدوحة، كتب منتخب الأردن فصلًا جديدًا من ملحمته الكروية. رغم خسارة نهائي كأس العرب 2025 أمام المنتخب المغربي الشقيق بنتيجة 2-3، فإن تلك المباراة القوية والجميلة كانت تتويجًا لرحلة استثنائية. لقد دخل “النشامى” التاريخ من أوسع أبوابه، محققًا إنجازًا غير مسبوق ويضع الكرة الأردنية على خريطة العالم.
ولم تكن هذه الرحلة مفاجأة، بل هي حصاد مشروع طويل بدأ قبل أكثر من عقدين. البداية الحقيقية كانت مع الاستعانة بخبرة الراحل محمود الجوهري، أسطورة التدريب العربي. في وقت كان فيه المشككون كثيرون، رسم الجوهري خارطة طريق شاملة. درس الدوري المحلي بعين الخبير، وزرع الثقة في نفوس اللاعبين، ووضع نظامًا تنافسيًا متكاملًا. إرثه الأبرز كان تأسيس مراكز الواعدين عام 2003 تحت إشرافه المباشر، وهي المراكز التي أصبحت منجم المواهب الأردنية. كانت ثمار هذا العمل أولى حبات العنقود عندما وصل الأردن إلى ربع نهائي كأس آسيا 2004 في أول مشاركة له.
ثم جاءت الخطوة الجريئة التي حولت الأحلام إلى واقع ملموس. اختار الاتحاد الأردني الاعتماد على “المدرسة المغربية”، إحدى أنجح المدارس الكروية عربيًا. بدأ المشوار مع المدرب المغربي الحسين عموتة، الذي قاد الفريق إلى أول نهائي آسيوي في تاريخه عام 2024. وبعد رحيله، سلم الراية إلى المدرب المغربي جمال السلامي، الذي أتم المهمة بقبضة حديدية وتخطيط دقيق. تحت قيادته، تحول الأردن إلى فريق صلب منظم، يصعب اختراق دفاعه ويضرب بسرعة قاتلة. هذا النهج هو الذي أوصلهم إلى مونديال 2026 للمرة الأولى، ثم قادهم في مسيرة كاملة بلا هزيمة حتى المباراة النهائية لكأس العرب.
ولكن التخطيط والقيادة وحدهما لا يصنعان المعجزات دون وقود المواهب. يشهد الجيل الحالي على وجود كوكبة من اللاعبين الذين خرجوا من الدوري المحلي لينجحوا في محترفات إقليمية وعالمية مرموقة. النجم موسى التعمري في الدوري الفرنسي، ويزن النعيمات في قطر، وعلي علوان ونزار الرشدان في الدوري العراقي، هم أمثلة على موهبة أردنية قادرة على المنافسة. الأهم من نجومية الأفراد هو روح الفريق الواحد التي تجسدت عندما سجل البديل نزار الرشدان الهدف التاريخي في نصف النهائي بعد غياب نجم الفريق، ليثبت أن القوة الحقيقية تكمن في العمق الجماعي وليس في الأسماء فقط.
وراء كل هذا يقف جمهور “النشامى”، الذي كان خلفية نفسية داعمة في كل المحطات. التفاف الشارع الأردني حول منتخبه، وتحوله إلى رمز وطني جامع، أعطى اللاعبين دفعًا معنويًا هائلًا. هذا التفاف وجد ترجمة عملية في الدعم الملكي والمؤسسي المتواصل من الملك عبد الله الثاني وولي عهده الأمير حسين، مما وفر البيئة الخصبة لازدهار الرياضة الشبابية.
واليوم، تقدم الكرة الأردنية نفسها كنموذج عربي ملهِم. فهي تثبت أن الإرادة والرؤية الواضحة والتخطيط العلمي قادرة على تحويل فريق من خارج الدائرة التقليدية للقوة إلى منافس شرس يحقق المستحيل. خسارة النهائي كانت مجرد محطة في مسيرة طويلة، بينما الرسالة الحقيقية هي أن “النشامى” قد وصلوا إلى العالمية ليبقوا، وليفتحوا الباب أمام أحلام أكبر في المونديال القادم. لقد كتبوا بأقدامهم وقلوبهم تاريخًا جديدًا، ليس للأردن فقط، بل لكل العرب.



