الأعمدة

ست البَرين.. السودان في بيت الرئيس المصري محمد أنور السادات

✍️ محمد الفاتح حضرة
مصر والسودان..
تاريخٌ من الرحم والنيل والحضارة لا تمحوه حرب ولا تصنعه منصات الكراهية

🫵قبل أن أكتب كلمة عن التاريخ…
لابد أن أبدأ بالوفاء لأهل العطاء.
منذ اندلاع الحرب في السودان، فتحت مصر أبوابها أمام أعداد كبيرة من السودانيين الذين فروا من الموت والحرب والدمار.
وجد كثير منهم في مصر الأمن والأهل والمأوى، رغم ما تعرفه مصر نفسها من أزمات اقتصادية وضغوط معيشية.
وهذا موقف لا ينبغي أن ينساه السودانيون.
ولا يجوز أن تمحوه إساءة فرد، أو منشور في منصة، أو حملة كراهية عابرة.
لكن…
في المقابل، ظهرت منصات وحملات تسعى إلى إشعال الكراهية بين المصريين والسودانيين، واستغلت بعض الوقائع والأخطاء، وبعض العملاء والخبثاء وبعض الجهلاء من الطرفين، لتصنع من الاستثناء قاعدة، ومن الجريمة الفردية عداءً لشعب كامل.
🫵وهنا يجب أن نتوقف..

فليس كل من حمل جوازاً سودانياً يمثل السودان…
وليس كل من أساء إلى مصري يمثل السودانيين…
وليس كل من أساء إلى سوداني يمثل المصريين.

لقد ظهرت في مصر منذ عقود حالات لأشخاص من جنسيات أفريقية مختلفة حاول بعضهم الانتساب إلى دولة السودان أو الادعاء بأنه سوداني، في ظل الحروب التي كان يشهدها جنوب السودان ودارفور، وما فتحته تلك الحروب للأفارقة من طرق للهجرة واللجوء إلى مصر ومنها إلى أوروبا وأمريكا.
ثم جاءت الحرب الحالية، فأصبحت أفعال بعض تلك العناصر الأفريقية مادة جاهزة للاستغلال وإثارة الفتنة.
لكن الشعوب العاقلة يجب ان لا تسمح لمنصات الكراهية أن تعيد كتابة التاريخ.

🇪🇬🇸🇩 ست البرين… والحكاية التي لا يعرفها الكثيرون‼️
كتب الأستاذ محمد الشحات سلامة عن حكاية شديدة الدلالة على عمق العلاقة بين مصر والسودان، حكاية امرأة سودانية الأصل ومصرية الجذور، هي والدة الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات.
🫵إنها…
ست البرين.

كانت ست البرين ابنة رجل سوداني وأم مصرية، وُلدت في دنقلا، وتزوجها والد أنور السادات حين كان يعمل في السودان.
ومن هنا بدأت حكاية عائلية صغيرة، لكنها تختصر في داخلها شيئاً كبيراً جداً:
مصر والسودان لم يكونا يوماً شعبين غريبين عن بعضهما.

في تلك الرواية التي أوردها محمد الشحات سلامة، قالت ست البرين لابنها أنور السادات بعدما أصبح رئيساً لمصر:
«يا ريت يا ابني تذيع الأذان في الراديو والتلفزيون عشان أعرف وقت الأذان وأصلي الفرض».
فاستجاب ابنها.
وأصدر توجيهاته بإذاعة الأذان في أوقات الصلاة.
ثم انتقلت الفكرة إلى إذاعات وتلفزيونات عربية وإسلامية، وأصبح صوت الأذان جزءاً من المشهد اليومي في مواقيت الصلوات الخمس.

حتي اليوم ، في مصر ظل ضبط مواقيت الصلاة عبر التوقيت الرسمي والإذاعة حاضراً في الحياة اليومية، ويظهر ذلك بصورة أوضح في شهر رمضان.
امرأة سودانية اسمها ست البرين… كانت سبباً في حكاية لا يزال صوتها يصل إلى ملايين المسلمين حتى يومنا هذا وربما الي آخر الزمان .

كتب محمد الشحات سلامة في وصف هذه العلاقة ولون بشرة السادات الأسمر قول ست البرين :
«طمي النيل لونه أسمر».
يا لها من عبارة تختصر الحكاية كلها‼️
فالنيل واحد…
وطميه واحد…
والناس الذين عاشوا على ضفتيه لم تكن بينهم تلك الحدود والمسافات التي تحاول التجاذبات السياسية الحديثة أن تدمرها‼️.

🏺 مصر الحضارة عبر التاريخ
حين نتحدث عن مصر والسودان، لا ينبغي أن نبدأ من الحدود السياسية الحديثة..
علينا أن نعود إلى ما قبل الحدود…
إلى النيل…
إلى النوبة…
إلى كوش…
إلى كرمة ونبتة ومروي…
وإلى مصر القديمة، التي لم تكن حضارتها محصورة في القاهرة أو الدلتا.

جنوب مصر، وخاصة منطقة طيبة القديمة، التي نعرفها اليوم باسم الأقصر، كان أحد أعظم مراكز الحضارة المصرية.
وكانت طيبة عاصمة لمصر في عصور مهمة، ولا سيما في الدولة الحديثة.
وهناك قامت المعابد والقصور والمقابر التي ما زالت شاهدة على عظمة تلك الحضارة.
وفي أرجح الروايات المتداولة في قصة موسى وفرعون، ترتبط أحداث تلك الحقبة بأرض مصر العليا وما حول طيبة، وإن كان اسم الفرعون نفسه لم يُحسم تاريخياً.
ثم في جنوب مصر الحالية…
كانت بلاد النوبة، ثم ممالك كوش ونبتة ومروي في شمال السودان الحالي .
وبعد ذلك توجد الممالك النوبية المسيحية الكبرى:
نوباتيا… المقرة… علوة.
ولهذا فإن شمال السودان ليس منطقة منفصلة عن هذا التاريخ.

النوبة تمتد عبر الحدود الحديثة.
وما نسميه اليوم شمال السودان وجنوب مصر كان في عصور كثيرة مجالاً حضارياً وإنسانياً متصلاً.
ومن هنا انتشرت الأسر النوبية على ضفتي النيل، ثم تحركت جماعات منها مع النهر جنوباً وشرقاً، ووصلت إلى مناطق من وسط السودان وشرقه وكردفان.
ولهذا تجد في السودان اليوم عائلات كثيرة تحمل في أصلها امتداداً مصرياً أو نوبياً أو سودانياً متداخلاً.

🧭🙋أنا ، واحد من هذه الحكاية
وأنا شخصياً…
سوداني الجنسية، لكن جذوري ليست محصورة فقط داخل حدود السودان السياسية الحديثة.
ففي جذور أسرتي امتدادات مصرية قديمة، من دراو وإدفو وجزيرة الحربياب في أسوان، ومنطقة الأقصر.
تحرك من هناك بعض أجدادي مع النيل…
استقر بعضهم في دنقلا..
واستقر بعضهم في جزيرة توتي…

هذه ليست قصة أسرتي انا فقط..
بل هي صورة من صور تاريخ أسر كثيرة في شمال السودان ووسطه وشرقه.
ولذلك عندما أقول إن بين مصر والسودان رحماً ونسباً ومصاهرة…
فأنا لا أتحدث عن كتاب تاريخ.
أنا أتحدث عن نفسي وأسرتي.

أنا سوداني…
وهذه حقيقة أعتز بها.
لكن في دمي أيضاً امتداد مصري.
وهذا ليس تناقضاً.
بل هكذا هو السودان .

🇪🇬🇸🇩 الرئيس محمد نجيب… سوداني المولد مصري القيادة
وليس من المصادفة أن يكون أول رئيس لجمهورية مصر بعد قيام الثورة هو محمد نجيب، الذي وُلد في الخرطوم.
ولد محمد نجيب في الخرطوم سنة 1901، وكان والده ضابطاً مصرياً خدم في السودان، وكانت والدته من أسرة ذات جذور مصرية ارتبطت حياتها بالسودان.
أي أن الرجل الذي أصبح أول رئيس للجمهورية المصرية بعد الملكية…
ولد في السودان.
وهذا وحده كافٍ ليذكرنا بأن التاريخ لم يكن يعرف دائماً تلك المسافات النفسية التي تحاول بعض الخطابات الحديثة صناعتها بين الشعبين.

🕌 من دنقلا إلى الأزهر… الشيخ صالح الجعفري

لعل من أجمل القصص التي تختصر هذا الامتزاج الروحي هي قصة العالم الأزهري المصري السوداني الشيخ صالح الجعفري.
كان قد ولد في دنقلا بشمال السودان.
وحفظ القرآن في مسجدها القديم.
ثم جاء إلى مصر، والتحق بالأزهر الشريف، وتلقى العلم على أيدي كبار علمائه، حتى أصبح مدرساً بالجامع الأزهر وخطيباً له، وصارت له حلقة علم وذكر شهيرة، وأسّس الطريقة الجعفرية.
وهكذا انتقل رجل من دنقلا إلى الأزهر…
فصار جزءاً من تاريخ مصر الديني والعلمي.
**دنقلا أنجبته…
والأزهر احتضنه…
ومصر صارت جزءاً من سيرته كما ظل السودان جزءاً من هويته.**

🎭🎶 الفن أيضاً لم يعرف الحدود
وإذا انتقلنا من السياسة والتاريخ إلى الفن…
سنجد الحكاية أكثر وضوحاً.
السر قدور، الشاعر والكاتب والفنان والإعلامي السوداني، ولد في منطقة الدامر، ثم عاش في مصر أكثر من ربع قرن، واستقر في القاهرة ومعه زوجته المصرية الأصل وبناته الأربع: أمل وزينب ونبيلة وثريا.
عاش في الزمالك سنوات طويلة…
ولد ونشأ في السودان
عاش ومات في مصر

رجل ظل دوماً يحمل مصر والسودان معاً في وجدانه وفنه.

ثم يأتي محمد وردي، ابن النوبة السودانية، الذي خرج صوته من شمال السودان ليصبح واحداً من أعظم رموز الغناء السوداني والنوبي.
وفي الجانب الآخر يأتي محمد منير، ابن النوبة المصرية، الذي حمل التراث النوبي إلى قلب الأغنية المصرية الحديثة.

ويأتي كذلك الموسيقار حمزة علاء الدين، ابن النوبة المصرية، الذي حمل الموسيقى النوبية إلى العالم.

وفي السينما نجد إبراهيم خان، المولود لأب سوداني وأم مصرية، والذي أصبح واحداً من وجوه السينما المصرية.

ونجد كذلك المخرج السوداني سعيد حامد، الذي درس السينما في مصر وأصبح واحداً من أبرز المخرجين في تاريخ السينما المصرية.

فهل هذه شعوب غريبة عن بعضها؟!

⚽ وحتى كرة القدم قالت كلمتها
حتى كرة القدم لم تعترف بتلك الحدود النفسية.
لعب السوداني سليمان فارس للنادي الأهلي في مصر، واشتهر بلقب السد العالي.
ولعب أمين زكي، قائد منتخب السودان وبطل كأس الأمم الأفريقية 1970، للنادي الأهلي.
كما لعب السوداني عبد المنعم مصطفى «شطة» للأهلي، ثم أصبح واحداً من الأسماء المعروفة في التدريب والعمل الفني الأفريقي.
وغيرهم كثيرون…
سودانيون صاروا جزءاً من الذاكرة الرياضية المصرية، ومصريون صاروا جزءاً من الذاكرة السودانية.

🛑 لا تجعلوا الحرب تقتل ما لم تستطع الحدود قتله‼️
السوداني الذي جاء إلى مصر هارباً من الحرب ليس مسؤولاً عن الحرب.
والمصري الذي فتح بيته وقلبه للسودانيين، وشاركهم أمنهم ومأواهم في وقت الحرب، لا ينبغي أن يدفع ثمن إساءات بعض الأفراد أو حملات الكراهية.
ومن ارتكب جريمة فليحاسبه القانون.
ومن أساء فليتحمل مسؤولية إساءته.
لكن…
لا تجعلوا جريمة شخص حكماً على شعب.
ولا تجعلوا منشوراً فيسبوكياً يهدم تاريخاً عمره عشرات الآلاف من السنين.
ولا تجعلوا الغضب من السياسة يتحول إلى كراهية للشعوب.
ولا تجعلوا الحرب السودانية تتحول إلى حرب أخرى…
حرب بين المصري والسوداني.
فالسودانيون اليوم في مصر يحتاجون إلى الحكمة والصبر واحترام قوانين البلد الذي استضافهم.
والمصريون يحتاجون أيضاً إلى الحكمة والصبر، وألا ينظروا إلى ملايين السودانيين من خلال أخطاء أفراد أو حملات تحريضية.
فاللاجئ إنسان قبل أن يكون رقماً أو جنسية.

❤️ وفي النهاية… هناك وصية لا ينبغي علينا نحن أهل السودان أن ننساها

بعد كل هذا التاريخ البازخ…
بعد النيل…
وبعد النوبة…
وبعد المصاهرة…
وبعد ست البرين…
وبعد محمد نجيب…
وبعد صالح الجعفري…
وبعد الفن والرياضة…
هناك معنى أعظم من كل ذلك..
🫵وصية رسول الله ﷺ بأهل مصر..

قال رسول الله ﷺ:
«إنكم ستفتحون مصر، وهي أرضٌ يُذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيراً، فإن لهم ذمةً ورحماً».

ما أعظمها من وصية…
وصية من رسول الله ﷺ بأهل مصر.
والرحم التي أشار إليها الحديث تذكّر بما كان بين أهل مصر ورسول الله ﷺ من صلات الرحم والمصاهرة، ومن ذلك مارية القبطية أم إبراهيم ابن رسول الله ﷺ.

🤔فكيف لا نحب أهل مصر…
أهل الرحمٍ وأصهارٍ حبيبنا محمد ﷺ؟

وكيف لا نحفظ لهم الجميل، وقد فتحوا أبوابهم للسودانيين في وقت الحرب؟

وكيف لا نتمسك بالمحبة بين الشعبين، ونحن نعلم أن طاعة رسول الله ﷺ من طاعة الله؟
﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾.

يا أهل مصر…
لا تجعلوا الحرب التي مزقت السودان تمزق ما بينكم وبين أهله.
ويا أهل السودان…
لا تجعلوا مرارة الحرب تنسيكم من فتح لكم بابه حين أُغلقت في وجوهكم أبواب كثيرة.

وليبقَى بين مصر والسودان ما بقي منذ آلاف السنين:
النيل…
والرحم…
والجوار…
والدين…
والتاريخ…
والإنسان.
فالحروب تنتهي…
والحكومات تتغير…
والأجيال تتعاقب…
لكن التاريخ لا ينبغي أن يموت.
ومصر والسودان أكبر من أن تهدمهما حرب…
وأعمق من أن تفرقهما منصات الكراهية…
وأقدم من أن تمحوهما منشورات عابرة.

🇪🇬❤️🇸🇩
حفظ الله مصر وأهلها…
وحفظ الله السودان وأهله…
وحفظ بين الشعبين ما حفظه النيل، وما حفظه التاريخ، وما حفظته الرحمة والرحم والمصاهرة والدين.

زر الذهاب إلى الأعلى