
بقلم / نسيبة الأمين
منذ فجر التاريخ، لم يكن للإنسان عدو أشد خطرًا من الجهل. وليس الجهل فقط بمعنى عدم القراءة والكتابة، بل الجهل بالنفس، وبالحقوق، وبكيفية عمل السلطة، وبالقدرة على التمييز بين الحق والباطل. فالإنسان حين يُحرم من المعرفة، يصبح أداة سهلة في يد من يريد استخدامه، ويُقاد إلى مصيره وهو يظن أنه يسير نحو نجاته.
المعرفة ليست ترفًا ولا زينة، بل هي أساس الحياة الكريمة. بها يعرف الإنسان حقوقه فيطالب بها، ويعرف من يخدعه فيرفضه، ويعرف من يظلمه فيقاومه. أما الجاهل، فيُستغل بسهولة، ويُساق خلف الشعارات دون أن يسأل إلى أين ولماذا. ولهذا كانت كل الأنظمة المستبدة تخاف الوعي أكثر مما تخاف السلاح.
ما فعلته الحركة الإسلاموية في السودان منذ انقلاب 1989 لم يكن مجرد استيلاء على السلطة، بل كان مشروعًا متكاملًا لإنتاج مجتمع أقل وعيًا وأكثر طاعة. أرادت إنسانًا يتحرك بالعاطفة لا بالعقل، يقدّم الولاء على التفكير، ويرى في الطاعة السياسية واجبًا دينيًا. رفعت شعار “المشروع الحضاري”، لكنها في الحقيقة كانت تهدم ما تبقى من العقل النقدي في المجتمع السوداني.
بدأت بضرب التعليم، فأقصت آلاف الأساتذة والكفاءات تحت مسمى “الصالح العام”، ودفعت بعقول السودان إلى المنافي. ثم أفسدت المناهج، وأفرغت المدارس من محتواها الحقيقي، واستبدلت المعرفة بالتلقين، والتفكير بالحفظ، والنقد بالطاعة. فخرجت أجيال تحمل شهادات، لكنها حُرمت من أدوات الفهم الحقيقي.
ثم استخدمت ثلاثة مصانع كبرى لصناعة الجهل: المسجد، والإعلام، والفقر. حوّلت بعض المساجد إلى منابر سياسية بغطاء ديني، يُوجَّه فيها الناس لخدمة السلطة باسم الدين. وسيطرت على الإعلام ليصبح أداة تمجيد للنظام وتشويه لكل مخالف. أما الفقر، فقد أدارته بذكاء خبيث، لأن المواطن المنشغل بلقمة عيشه لا يجد وقتًا ليسأل من سرق وطنه.
ولم تكتفِ بذلك، بل جعلت هذا الجهل وقودًا لحروبها. دفعت بالشباب إلى ساحات القتال تحت شعارات الجهاد والكرامة، بينما كانوا في الحقيقة ضحايا تضليل كبير. شاب يقاتل أخاه في الوطن وهو يظن أنه يؤدي فريضة، هو أخطر نتائج هذا المشروع.
واليوم، ما زلنا ندفع ثمن ذلك. نرى من يبرر الجرائم، ويكذّب الحقائق، ويخوّن كل من يطالب بالسلام، لأن أدوات التمييز بين الحقيقة والكذب لم تُبنَ فيه أصلًا. هذه ليست مجرد أزمة سياسة، بل أزمة وعي صنعها نظام كامل عبر عقود.
أخطر ما أنتجته الحركة الإسلاموية ليس الجاهل البسيط، بل “نصف المتعلم”؛ من يحمل شهادة بلا وعي، ويتحدث بيقين عمّا لا يفهم، ويرفض الحقيقة دفاعًا عن غروره. هذا النوع كان أخطر أدواتهم، لأنه يضلل غيره وهو يظن نفسه على صواب.
إن إنقاذ السودان لا يبدأ فقط بإسقاط سلطة أو كتابة دستور، بل يبدأ بإعادة بناء الإنسان السوداني القادر على التفكير والسؤال والتمييز. فلا ديمقراطية بلا وعي، ولا سلام بلا مواطن يعرف مصلحته، ولا وطن يُبنى بعقول تم أسرها طويلًا.
الحركة الإسلاموية فهمت أن الجاهل أسهل قيادة من الواعي، والخائف أطوع من الحر، والفقير أسرع استغلالًا من الكريم. ومهمتنا اليوم أن نقلب هذه المعادلة، وأن نثبت أن السودان الذي يعرف، هو السودان القادر وحده على أن يحكم نفسه، ويختار مصيره، ويحاسب من خان أمانته. @followers



