
نزار عثمان السمندل
ليست المشكلة في أن يطرح الحزب الشيوعي السوداني رؤية سياسية طموحة، أو أن يتمسك بخطاب ثوري حاد في لحظة سودانية مأزومة. فذلك، في حد ذاته، جزء من طبيعة السياسة في بلد خرج من ثورة وانزلق إلى حرب.
لكن الإشكال الحقيقي يبدأ حين تتحول اللغة السياسية من أداة للفهم والتغيير إلى أداة لاحتكار المعنى، ومن مشروع لبناء الممكن إلى خطاب يوزّع صكوك الشرعية والاتهام على الآخرين.
المذكرة المقدمة إلى اللجنة الخماسية في أديس أبابا تكشف، بوضوح، عن نزعة متصاعدة لاحتكار تعريف «الثورة» و«الجماهير» و«التمثيل السياسي». فالجماهير هنا ليست واقعاً متعدداً ومعقداً، وإنما كتلة مصفّاة سلفاً، لا يحق لها أن تُرى إلا عبر مرآة الحزب. وكل ما عدا ذلك يُصنف تلقائياً ضمن خانة «التسلق» أو «الانحراف» أو «الخيانة السياسية».
بهذا المعنى، لا يعود الخلاف حول البرامج أو التكتيكات، بقدر ما يتحول إلى احتكار رمزي للثورة ذاتها، وكأنها حدث تاريخي مغلق انتهى تفويضه عند لحظة محددة، ثم جرى سحبه لاحقاً من الجميع؛ باستثناء جهة واحدة تدّعي حق الوصاية على روايته.
الأكثر إشكالاً أن الخطاب يتزامن مع دعوة أطلقها الحزب إلى «جبهة جماهيرية قاعدية عريضة». وهي صيغة تبدو، في ظاهرها، أقرب إلى التوسّع الديمقراطي، لكنها عملياً تُقدَّم باعتبارها كياناً مثالياً غير موجود بعد، ولا يمكن أن يوجد إلا بشروط يضعها الحزب مسبقاً. أي أننا أمام مفارقة سياسية واضحة: دعوة إلى أوسع تحالف ممكن، مقرونة في الوقت ذاته بإغلاق الباب أمام الفاعلين الفعليين في المشهد السياسي والمدني.
كيف يمكن بناء «جبهة واسعة» بينما يتم استبعاد معظم القوى السياسية والمدنية باعتبارها غير مؤهلة أخلاقياً أو ثورياً؟
وكيف يمكن الحديث عن «ملكية جماهيرية للعملية السياسية» في الوقت الذي يُعاد فيه تعريف هذه الجماهير من أعلى، وفق معيار حزبي صرف؟
هذا النوع من الخطاب لا يفتح السياسة، إنما يعيد هندستها على صورة نقية لا وجود لها في الواقع. فالسودان اليوم ليس ساحة فرز أخلاقي بين قوى ثورية صافية وأخرى منحرفة، بل هو مشهد سياسي منهك، تتداخل فيه الأخطاء مع التجارب، والانهيارات مع محاولات النجاة، والمساومات مع المبادرات المدنية التي، رغم ضعفها وتشتتها، ظلت في كثير من اللحظات أقرب إلى نبض الشارع من الخطابات الشمولية المغلقة.
اللافت أن القوى التي يجري اختزالها بسهولة في خطاب «التسلق» أو «التواطؤ» هي ذاتها التي شاركت، بدرجات متفاوتة، في مقاومة نظام البشير، وفي إدارة لحظات الانتقال الهش، وفي حمل عبء العمل المدني بعد اندلاع الحرب، سواء في الإغاثة أو التوثيق أو الدفاع عن فكرة الدولة المدنية في فضاء يتآكل بسرعة لصالح السلاح.
لكن الخطاب هنا لا يتوقف عند النقد، بل ينتقل إلى إعادة كتابة التاريخ القريب نفسه، بحيث تُمحى التعددية الفعلية للمشهد، ويُستبدل بها سرد واحد يحتكر الفضيلة الثورية.
أما أخطر ما في هذه المذكرة، فهو أنها تعيد إنتاج منطق الإقصاء ذاته الذي تدّعي مقاومته. فبدلاً من فتح المجال أمام تسوية سياسية معقدة تُدار فيها التناقضات، يتم الدفع نحو نموذج «نقاء سياسي» غير قابل للتحقق، لكنه شديد الخطورة في نتائجه، لأنه لا يترك مساحة للسياسة نفسها كي تعمل.
السياسة، في جوهرها، ليست اختباراً للأخلاق المطلقة، وإنما إدارة دائمة للتناقضات داخل مجتمع ممزق. وكل محاولة لتحويلها إلى معركة تطهير رمزي تنتهي، في الغالب، إلى تعطيل إمكانية التوافق، لا إلى تحقيقه.
في النهاية، لا أحد يملك الثورة السودانية، ولا أحد يستطيع احتكار تعريف الجماهير، ولا حتى ادعاء تمثيلها الكامل. وما يحتاجه السودان اليوم ليس «جبهة نقية» تُعرّف من أعلى، بل حد أدنى من الواقعية السياسية التي تسمح لقوى متباينة، ربما متناقضة أيضاً، بأن تجلس على طاولة واحدة. ليس حباً في بعضها، لكن خوفاً من انهيار ما تبقى من الدولة.
أما الاستمرار في منطق «التمثيل الحصري للثورة»، فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج العجز السياسي نفسه. لكن هذه المرة بشعارات أكثر صلابة، ونتائج أكثر قسوة.



