
في توقيت بالغ الحساسية، تفاجئ وزارة الصحة ولاية الخرطوم المواطنين بتوجيه المستشفيات لقصر سداد رسوم الخدمات الصحية على الدفع النقدي فقط، ومنع السداد عبر التطبيقات البنكية. قرارٌ يبدو إداريًا في ظاهره، لكنه إنسانيًا واقتصاديًا يحمل كلفة فادحة على مجتمع يرزح أصلًا تحت ضغوط الحرب وشُح السيولة.
في بلدٍ باتت فيه التطبيقات المصرفية شريانًا يوميًا للحياة، يصبح اشتراط «الكاش» في لحظة إسعافية مخاطرةً لا تُحتمل. الحالات الطارئة لا تنتظر طابور صراف، ولا تحتمل رحلة بحث ليلية عن سيولة نادرة. السؤال البديهي: هل يُعقل أن يُعلَّق تقديم الخدمة الطبية على ورقة نقدية قد لا تتوفر أصلًا؟
المفارقة أن القرار يأتي بينما تتحدث الدولة عن تعزيز الدفع الإلكتروني وتطبيق أنظمة تحصيل رقمية لرفع الكفاءة وتقليل التداول النقدي. فكيف يُفهم هذا التناقض؟ وأي رسالة تصل للمواطن حين تُرفع شعارات التحول الرقمي في النهار، ويُطلب منه «الكاش» ليلًا في غرفة الطوارئ؟
الأخطر أن مثل هذه القرارات تخلق سوقًا موازية قسرًا. حين يشتد الطلب على النقد في بيئة شحيحة، ينشط سماسرة الكاش، وتُفرض عمولات مُجحفة على من لا يملك خيارًا. هنا لا يُرهَق المريض فقط، بل تُفتح أبواب استغلال جديدة، وتُسحب من الأسر أموال إضافية في لحظة ضعف وحاجة.
ولا يمكن تجاهل دور المغتربين الذين تمثل تحويلاتهم عبر القنوات المصرفية رافعةً حيوية لأسرهم في الداخل. إذا كان التدفق المالي يتم عبر البنوك، فكيف يُطلب من الأسرة أن تُحوِّل الرقمي إلى نقد في دقائق لإنقاذ حياة؟ هذا الضغط المركّب — حرب، تضخم، شح سيولة — يجعل القرار عبئًا فوق طاقة الناس.
إن كانت لدى الوزارة مبررات تقنية أو إجرائية، فالشفافية أولًا. ثم إن حماية حياة المرضى تقتضي استثناءً واضحًا للحالات الطارئة، وإبقاء قنوات الدفع الإلكتروني متاحة، أو توفير نقاط تحصيل فورية داخل المستشفيات تُحوِّل المدفوعات الرقمية إلى قيود مالية معتمدة دون تعطيل الخدمة.
الصحة ليست بندًا إداريًا يُختبر في ظروف استثنائية. هي حقٌ أصيل، وأي إجراء يُعرّضه للتعطيل — ولو بحسن نية — يستحق المراجعة الفورية. في زمن الحرب، تُقاس القرارات بقدرتها على التخفيف لا التعقيد، وعلى حماية الضعفاء لا تحميلهم كلفة إضافية.
#الصحة_حق
#لا_للنقد_فقط
#أوقفوا_سماسرة_الكاش
#التحول_الرقمي
#السودان



