الأعمدة

أنف في طهران، روح في باريس، وجسد في ريو: دليل الرجل لفهم ملكات العالم


#روما،✍️ رضوان علي الحسن 🇮🇹
لكل بقعة على الخريطة ملكتها المتوجة بمعايير لا تشبه سواها. ما يأسر قلب رجل في باريس قد لا يلفت نظر آخر في سيول، وما يلهب خيال شاعر في ريو دي جانيرو قد يبدو عاديا أمام رسام في طهران. الجمال ليس مجرد تفاصيل وجه وقوام، بل هو مرآة تعكس ذاكرة المكان وتراثه ونظرته إلى الحياة.
ففي باريس، العاصمة التي اخترعت مفهوم الأناقة، تجلس المرأة على عرش الجمال دون أن تنوي ذلك. لا تحتاج إلى طبقات من المساحيق ولا إلى تسريحة شعر محسوبة بدقة متناهية. الجمال الباريسي أشبه بلوحة انطباعية؛ شعر ينساب بحرية، مكياج بالكاد يُرى، وثقة تجعل من البساطة الفاتنة بيانا شخصيا. الفرنسية لا تطارد الكمال، بل تصادقه على طبيعتها.
وعلى الضفة الأخرى من الكرة الأرضية، في أستراليا، الحكاية مختلفة تماما. هناك ينتصر الجسد الرياضي المشبع بحرارة الشمس. اللون البرونزي الذي تمنحه الطبيعة هو التاج نفسه، والجسم المتناسق الذي يبدو لائقا بملابس البحر هو المعيار الذي تتسابق نحوه الأستراليات. الصحة والحيوية هما الوجه الآخر للأنوثة في تلك القارة المشمسة.
وفي كوريا الجنوبية لا يطلب من المرأة أن تكون جميلة فحسب، بل أن تقترب من لوحة فنية مرسومة بعناية الطبيعة القصوى. البشرة النقية كقطعة قماش حريرية بيضاء، والعينان الواسعتان المستديرتان المليئتان ببراءة الطفولة، هما معيار الجمال الذي يحرك صناعة كاملة من مستحضرات التجميل وعيادات التجميل. هناك تتحول العناية بالوجه إلى استثمار طويل الأمد يبدأ من سن مبكرة.
أما في إيران، وبينما يفرض القانون حضوره على تفاصيل الملبس، تهرب الأنوثة إلى الجزء الوحيد الباقي في المسرح المكشوف: الوجه. الأنف تحديدا يصبح بطاقة الهوية الجمالية؛ أنف صغير منحوت بتناسق مع باقي الملامح هو بمثابة إعلان صامت عن الذوق الرفيع. الحواجب المقوسة والعيون الواسعة تكمل المشهد، لكن الأنف يظل سيد القرار في محكمة الجمال الفارسية.
وفي البرازيل، حيث ترقص الأجساد على إيقاع السامبا، الجمال معياره الجرأة والوضوح. الجسد المنحوت الذي يشبه تماثيل عصر النهضة، والأظافر التي تدهن كل يوم تقريبا بألوان زاهية، والعناية التي لا تهدأ بالتفاصيل تجعل البرازيلية تشبه عارضات الأزياء على أغلفة المجلات العالمية. هناك الجمال ليس صدفة، بل عمل يومي متقن.
في إسبانيا، لا يقاس الجمال بالسنتمترات ولا بدرجة لون البشرة. العيون الداكنة العميقة التي تختزن شمس المتوسط هي المفتاح. الجاذبية في إسبانيا حكاية ترويها نظرة عين، وحركة جسد يعرف كيف يتمايل على أنغام الفلامنكو. الإسبانية لا تلبس جمالها فقط، بل ترقصه أيضا.
أما في بريطانيا، فيتربع على العرش جمال أرستقراطي هادئ لا يصيح في وجه الزمن. الوجه الشاحب الذي يزينه النمش، التجاعيد الخفيفة حول العينين التي لا تخفيها المرأة بل تعتبرها أوسمة نضج وخبرة، والملابس المريحة والأحذية المسطحة. المرأة البريطانية تصالحت مع الوقت، والجمال لديها يتنفس الصدق والاحتشام.
من طهران إلى ريو، ومن سيول إلى لندن، تنوع المعايير لا يعني تناقضها، بل يثبت أن الجمال لغة واحدة تتحدث لكنات مختلفة. وفي قلب هذا الاختلاف تكمن الحقيقة الواحدة: المرأة الجميلة هي التي تفهم سياقها الثقافي وتترجمه بأنوثتها الخاصة، لا التي تستعير ملامح ملكة من قارة أخرى.
وأنت عزيزي القارئ قبل أن تغادر الصفحة.. أي بلد يسكن نظرتك؟و. هل اكتشفت أي خريطة تسكن قلبك؟

زر الذهاب إلى الأعلى