الأعمدة

“عندما تُصبح الشهادة سلعة: الدولة تبيع التعليم وتشتري العجز”

#image_title
#image_title

كتب: معاوية أبوالريش
في زمن تتسابق فيه الأمم على توفير التعليم المجاني لأبنائها، وتتفاخر الدول بما تُنفقه على بناء أجيال المستقبل، تأتينا وزارة التربية والتعليم السودانية بقرارها رقم (٢٥) لسنة ٢٠٢٥م، حاملاً في طياته إعلاناً صريحاً بإفلاس الدولة الأخلاقي قبل المالي. قرار يُلقي بعبء طباعة أوراق الامتحانات وتأمين المراكز على كاهل أولياء الأمور، في مشهد يُجسّد انسحاباً كاملاً من المسؤولية الدستورية تجاه أبناء الوطن.
مائة وعشرة آلاف جنيه سوداني! هكذا يُسعّر القرار حلم الطالب السوداني في الحصول على شهادته الثانوية. خمسون ألفاً لطباعة ورق الامتحان، وستون ألفاً لتأمين المراكز ودعمها. كأننا نتحدث عن شركة خاصة تبيع خدماتها بالتجزئة، لا عن دولة يُفترض أن التعليم فيها حق دستوري مكفول للجميع. أليست الدولة هي من يجب أن تطبع أوراق الامتحانات؟ أليست هي المسؤولة عن تأمين مراكز الامتحانات ودعمها؟ أم أننا نعيش في زمن جديد، حيث تتحول الواجبات الأساسية للدولة إلى فواتير تُرسل لمواطنيها؟
ولنضع الأرقام في سياقها الفاضح: إذا افترضنا أن عشرين ألف طالب وطالبة سيجلسون لامتحانات الشهادة السودانية القادمة في يونيو ٢٠٢٥م، فإن جملة المبالغ التي ستُحصّل منهم تبلغ ملياريْن ومائتيْ مليون جنيه سوداني! مبلغ ضخم يكفي لطباعة ملايين الأوراق، ولتأمين مئات المراكز، بل ويفيض عنه الكثير. فأين ستذهب هذه الأموال الطائلة؟ وهل حقاً أن تكلفة طباعة أوراق الامتحانات وتأمين المراكز تبلغ هذا الحد الفلكي؟ أم أن هناك جيوباً خفية تنتظر أن تمتلئ من عرق جبين الفقراء؟
إن هذا المبلغ الهائل – ملياران ومائتا مليون جنيه – يكشف حقيقة مُرّة: الدولة ليست عاجزة عن توفير المال، بل هي تُفضّل أن تُحصّله من جيوب المواطنين المعدمين بدلاً من أن تُخصصه من موازنتها. إنها لا تعترف بعجزها المالي فحسب، بل تُحوّل هذا العجز إلى ضريبة إضافية على الفقراء، في أبشع صور الظلم الاجتماعي.
والمفارقة الساخرة تكمن في التوقيت. هذا القرار يصدر في لحظة تاريخية يرزح فيها السودان تحت نير حرب عبثية دمّرت البنى التحتية، وشرّدت الملايين، وأفقرت من كان يملك، وزادت البائس بؤساً. المواطن السوداني اليوم لا يملك ثمن رغيف الخبز، فكيف له أن يدفع مائة وعشرة آلاف جنيه؟ الأسر التي فقدت منازلها ومصادر رزقها، كيف لها أن توفر هذا المبلغ؟ أم أن القرار يحمل رسالة ضمنية مفادها: “من لا يملك المال، فليودّع حلم التعليم”؟
إن هذا القرار ليس مجرد قرار إداري روتيني، بل هو وثيقة إدانة تاريخية تُوثّق لحظة انهيار عقد اجتماعي ضمني بين الدولة ومواطنيها. حين تعجز الدولة عن طباعة أوراق امتحان طلابها، فإنها تُعلن إفلاسها التام. وحين تُحمّل الأسر الفقيرة تكلفة تأمين مراكز الامتحانات، فإنها تُقرّ بأنها لم تعد قادرة على أداء أبسط وظائفها الأساسية. وحين تجمع ملياريْن ومائتيْ مليون جنيه من طلابها المساكين، فإنها تُمارس أبشع أشكال الابتزاز المؤسسي.
والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: إذا كانت الدولة عاجزة عن تحمل تكلفة امتحانات طلابها، فكيف لأولياء الأمور المسحوقين تحت وطأة الحرب والفقر أن يتحملوها؟ هل منطق هذا القرار أن الفقير يجب أن يدفع عن الدولة الغنية بمواردها؟ أم أن الرسالة أوضح من ذلك: التعليم بات امتيازاً لمن يملك، لا حقاً لكل مواطن؟
إن ما يزيد الطين بلة أن القرار يُصاغ بلغة باردة بيروقراطية، وكأنه يتحدث عن أرقام محاسبية، لا عن أحلام شباب وطموحات أسر “منع وضع أي مبلغ إضافي” يقول القرار، في محاولة مخادعة للإيحاء بأنه يحمي الطلاب، بينما هو في الحقيقة يفرض عليهم ما لا طاقة لهم به. فالقرار لا يمنع الرسوم الإضافية، بل يُقنّن نهب جيوب الفقراء ويُضفي عليه شرعية إدارية.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكبر: ما قيمة دولة لا تستطيع أن توفر لأبنائها ثمن ورقة امتحان؟ وما معنى وطن يبيع شهادات أبنائه بالتقسيط على أولياء أمورهم المعدمين؟ وما مصير دولة تجمع ملياريْن ومائتيْ مليون جنيه من أبنائها الطلاب، بينما تُعلن عجزها عن القيام بواجباتها الأساسية؟ إن هذا القرار ليس فقط ظالماً، بل هو فاضح، يفضح عجزاً مريعاً وتخلياً مخزياً عن المسؤولية. ولعل أصدق ما يُقال عنه: إنه قرار يُطلق الرصاصة الأخيرة على حلم جيل بأكمله، في وطن لم يعد يرى في أبنائه إلا أرقاماً في فاتورة يجب سدادها.

زر الذهاب إلى الأعلى