الأعمدة

النفخ في بالون السلطة والجيش.. وثقبه بدبابيس الهجوم!

( موطئ قلم )
محمد عبد الله برقاوي..
منذ انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، وقبل اندلاع هذه الحرب اللعينة وبعدها، ثم اختلاف شركاء السلاح الذين رفعوه في وجوه بعضهم البعض، لم يكن من الممكن التفريق ـ بأي حال من الأحوال ـ بين السلطة السياسية الحاكمة والقيادة العسكرية التي استثمرت الشعور الوطني الجارف المتمثل في الوقفة الشعبية المساندة لها، ورسخت شعار «حرب الكرامة» باعتبارها معركة وجودية يتحدد على ضوء نتائجها ما إذا كان السودان سيبقى وطناً متماسكاً أم لا.
وقد وجدت حملات الاستنفار العسكري للشباب قبولاً واندفاعاً واضحين في مراحلها الأولى، بعد أن أشعل جذوتها صحفيون موالون للسلطة ونشطاء في وسائل التواصل الاجتماعي، نفخوا في بالون السلطة وجيشها إلى الحد الذي دفع القيادة نفسها إلى تبني مسؤولية تحقيق النصر عبر خطابات حماسية، كانت مواعيد الحسم العسكري تبتعد معها كلما طال أمد الحرب واتسعت جبهاتها، وتشتتت قوات الجيش بفعل تحركات الخصم في اتجاهات متعددة من ميادين القتال.
ومع مرور الوقت بدأت ملامح الفتور تظهر وسط قطاعات من الشباب تجاه الاستنفار، كما تراجع الحماس الشعبي العام لتصديق الوعود المتكررة بالحسم، وتزامن ذلك مع تبدل مواقف سياسية وانقسامات في أوساط قوى كانت حتى وقت قريب ترفع شعار «بل بس» دون تحفظ.
وجاءت في الأثناء أخبار متفرقة عن تحركات لقائد الجيش نحو بعض العواصم العربية بحثاً عن صيغة للسلام، ذهب بعض المحللين والمراقبين إلى التكهن بأنها قد تفضي إلى لقاء بين القائد العام وقائد الدعم السريع، عبر وساطات تقودها دول بعينها، وتسعى إلى مصالحة القائد مع جهة كان يعدها في وقت سابق داعماً لخصمه السياسي والعسكري.
ويتزامن ذلك مع تسارع الحوارات التي جرت في أديس أبابا، والتي شقت عملياً الكتلة الديمقراطية الداعمة للسلطة والجيش إلى فسطاطين، الأمر الذي أحدث قدراً من الإحباط داخل معسكر «نعم للحرب». وبدأت أصوات من داخله تقلب ظهر المجن، وتشن هجوماً عنيفاً عبر مختلف الوسائط، طال معظمه قائد الجيش نفسه، خاصة بعد احتضانه لبعض قادة الدعم السريع الذين قيل إنهم عادوا إلى ما سُمّي بـ«حضن الوطن».
هذا التحول الدراماتيكي في مواقف الأصوات التي راهنت على حتمية الحسم العسكري، ووثقت في الوعود التي أطلقها القائد الذي وصفوه يوماً بـ«الكاهن»، جعلها تعود اليوم لتحمله مسؤولية ما تعتبره تراجعاً في الجبهات العسكرية، وانحرافاً في المسارات السياسية.
وهكذا تحول النفخ المبالغ فيه إلى ثقب مباشر بدبابيس الهجوم الحاد، الذي تتصاعد فيه أحياناً لغة لا تخلو من الإسفاف، فتخرج بالنقد من دائرة الإصلاح إلى فضاء التجريح الشخصي، والتقليل من شأن القيادة ذاتها التي أُحيطت في وقت سابق بهالات التبجيل والتقديس.
وسبحان مغير الخطاب من الإعجاب إلى ما تجاوز حدود العتاب.

زر الذهاب إلى الأعلى