


كتب: معاوية أبوالريش
في كل مرة يُعلن فيها الاتحاد العُماني لكرة القدم عن مدرب جديد للمنتخب الوطني، يتوقف العُمانيون لحظةً بين الأمل والتساؤل. هذه المرة جاء الإعلان حاملًا اسمًا مغربيًا لم يكن مألوفًا لكثيرين في الشارع العُماني، لكنه يحمل في سيرته رصيدًا من التجربة والمدرسة الكروية التي أذهلت العالم قبل سنوات قليلة. طارق السكتيوي هو الرجل الجديد على عرش الأحمر، وعليه اليوم أن يُثبت أن هذا الاختيار لم يكن مجرد اسم على ورقة، بل كان قرارًا بُني على رؤية وبُعد نظر.
“ابن المدرسة المغربية”
لا يمكن الحديث عن طارق السكتيوي دون الحديث عن المغرب الكروي الذي شكّله وصنع منه ما هو عليه اليوم. المغرب الذي صعق العالم في مونديال قطر 2022 وأوصل الكرة العربية والأفريقية إلى مكان لم تبلغه من قبل، لم يفعل ذلك بمعجزة آنية، بل بسنوات طويلة من البناء المنهجي والاستثمار في الكرة الشبابية وتطوير المدربين. والسكتيوي نتاج هذه البيئة الكروية العريقة، تشرّب فلسفتها وفهم أسرارها، وجاء إلى مسقط حاملًا معه بصمة مدرسة تحترم اللعبة وتأخذها بجدية علمية وأكاديمية.
مسيرته التدريبية تكشف عن رجل يؤمن بأن التفاصيل هي التي تصنع الفارق، وأن الانضباط التكتيكي لا يتعارض مع الإبداع الفردي بل يُكمله. رجل يُقدّم الجماعة على الفرد والمنظومة على النجم، وهذا بالضبط ما يحتاجه منتخب يبحث عن هوية واضحة وأسلوب لعب راسخ لا يتغير مع كل مباراة.
“الأحمر بين الفخر والألم”
المنتخب العُماني ليس منتخبًا عاديًا في وجدان أنصاره . إنه أكثر من مجرد منتخب يلعب كرة القدم – إنه مرآة الوطن في الملاعب، وصرخة الانتماء أمام العالم. وتاريخه حافل بلحظات أضاءت القلوب وأخرى أوجعتها.
الإنجازات الخليجية التي حققها على مدار السنوات، والأجيال التي قدّمت وأعطت وتركت أثرًا في ذاكرة الجماهير، كل ذلك يؤكد أن الأحمر ليس منتخبًا قاصرًا عن المنافسة. لكن الحقيقة التي لا تُريح ولا يمكن التهرب منها هي أن كأس آسيا ظلت بعيدةً عن قبضته، وأن نهائيات كأس العالم بقيت حلمًا يراوغ كلما اقترب منه. ليس لأن الأحمر لا يستحق، بل لأن ثمة خللًا في المنظومة تكرّر كثيرًا دون أن يُعالَج بجرأة كافية.
التغيير المتكرر في المدربين كأن المدرب هو المشكلة الوحيدة دائمًا، والاعتماد على أسماء رغم تراجع مستواها، وغياب أسلوب لعب يُميز الأحمر ويُخيف منافسيه – كل هذه أنماط تتكرر وتُعيد إنتاج نفسها في كل دورة.
“المشكلة أكبر من المدرب”
هنا تكمن الجرأة الحقيقية في قراءة مشهد كرة القدم العُمانية – الاعتراف بأن المشكلة ليست في المدرب وحده. المدرب جزء من منظومة، وحين تكون المنظومة مكسورة في أجزاء منها، فلن يستطيع أي مدرب مهما بلغت موهبته أن يبني قصرًا شامخًا على أرض هشة.
الأندية المحلية هي المصنع الذي يُخرج اللاعب للمنتخب، وحين تفتقر بطولاتنا الداخلية إلى المستوى التنافسي العالي، فإن اللاعب يصل إلى المنتخب وهو لم يخض بعد التجربة الحقيقية التي تُعدّه لمباريات المصير. وأكاديميات الكرة الشبابية هي الجذر الذي تنمو منه الشجرة، والاستثمار فيها ليس رفاهية بل ضرورة استراتيجية لا تحتمل التأجيل.
الإعلام الرياضي أيضًا يتحمل قدرًا من المسؤولية. الإعلام الذي يُحلل ويُرشد ويبني ثقافة كروية ناضجة هو شريك في النجاح، أما الإعلام الذي يتحول إلى منبر للهجوم على اللاعبين بعد كل هزيمة فهو يزرع الإحباط في نفوس الجيل الجديد قبل أن يُتاح له الإثبات. واللاعب الذي يدخل الملعب محملًا بثقل الانتقادات القاسية لن يُعطي أفضل ما عنده أبدًا.
“ماذا يحتاج السكتيوي؟”
نجاح طارق السكتيوي مع الأحمر مشروط بجملة من العوامل لا تقع كلها في يده. أولها وأهمها هو الوقت والاستقرار. لا يُبنى مشروع كروي حقيقي في موسم واحد، ولا يُقيَّم مدرب بعد خسارة أو اثنتين. المنتخبات التي وصلت إلى العالمية بنت نفسها عبر مشاريع طويلة الأمد تحت رؤية مستقرة ثابتة، وعُمان تحتاج اليوم أن تكسر عادة التغيير المتسرع التي أهدرت كثيرًا من الطاقة والوقت.
ثم يأتي شرط وضوح هوية اللعب. الأحمر يحتاج أسلوبًا يُعرف به ويخشاه المنافسون، هويةً لا تتبدل مع تغير الخصم أو تراكم الضغط. والانسجام بين المدرب والاتحاد في الرؤية والأهداف شرط جوهري لا يمكن تجاوزه، إذ لا قيمة لمدرب موهوب يعمل في بيئة تتدخل في قراراته وتُفرّغ خططه من مضمونها.
وأخيرًا يبقى شرط الجرأة في بناء جيل جديد. فتح الباب أمام المواهب الشابة ومنحها الثقة والوقت الكافي هو الاستثمار الأذكى والأكثر استدامةً على المدى البعيد.
“الحلم لا يزال حيًا”
بعد كل هذا التحليل وكل هذه التساؤلات، يبقى شيء واحد ثابت لا يتزعزع – الحلم العُماني لا يزال حيًا وكبيرًا. كل جيل ورث هذا الحلم عن الذي سبقه، وأضاف إليه من عشقه وإصراره، وسيبقى يتوارثه حتى يتحقق.
طارق السكتيوي لا يقف اليوم أمام تحدٍّ فني فحسب – يقف أمام صفحة تاريخ تنتظر من يكتبها. جاء في لحظة يستحق فيها الأحمر أن يصنع تاريخه الأجمل، وما أجمل أن تكون مهمتك في الحياة إسعاد شعب يعشق كرة القدم كما يعشق وطنه.
فجر جديد يُطلّ اليوم على أبواب الحلم العُماني. والأمل – كما الأحمر دائمًا – لا يخيب.



