الأعمدة

شركة السودان للأقطان ماذا هناك؟

بقلم:يس الباقر
لا توجد شركة في السودان حملت اسم الوطن ودفعت ثمن ذلك نقدا حادا مثل شركة السودان للأقطان فالاسم يوحي بالريادة والسيادة على محصول ظل لعقود هو عمود الصادرات السودانية وعنوان السودان في البورصات العالمية ولكن الواقع يقول غير ذلك فالممارسات والسياسات التي صاحبت عمل الشركة كشفت عن فجوة كبيرة بين الاسم والفعل وبين الدور المطلوب والدور الذي تم تنفيذه
كان قطن السودان عبر عقود طويلة يباع مباشرة عبر مكتب المبيعات التابع لمشروع الجزيرة وكان للمشروع مكتب مرموق في العاصمة البريطانية لندن يمثل السودان ويحجز للقطن السوداني طويل التيلة مكانة متميزة في السوق العالمي ولم يكن القطن يحتاج إلى وسيط أو شركة جديدة لتبيعه.
ولكن مع مجيء سياسات الإنقاذ تم تشويه الأنظمة التي كانت تحكم البيع والشراء وإستجلاب المدخلات وانتزعت هذه الصلاحيات من إدارة مشروع الجزيرة لتسلم إلى جهات جديدة
فدخلت شركة السودان للأقطان في مجال بيع القطن ودخل البنك الزراعي في تمويل المدخلات بغرض الربح بعد أن كانت هذه المهام تقوم بها إدارة المشروع والمشاريع القومية الأخرى مثل حلفا الجديدة والرهد والسوكي بكفاءة وتراكم خبرة.
وكانت النتيجة المباشرة لهذه السياسة كارثية على مكانة السودان فسياسة الإنقاذ أفقدت السودان دوره كمنتج رئيسي للقطن وخرجت بذلك البلاد من السوق العالمي للقطن منذ العام 1992م
فبعد أن كان السودان من الدول الخمس الأولى المصدرة للقطن طويل التيلة تراجع الإنتاج والمساحات المزروعة وانهارت الثقة العالمية في قطننا بسبب تذبذب الجودة وغياب التسويق الموحد ودخول وسطاء وشركات صغيرة لا تملك القدرة على المنافسة.
والمؤسف أن الوضع الداخلي للشركة نفسها يعكس حجم الأزمة فقبل عدة شهور أعلنت الحكومة المركزية عن تعيين مديرا لشركة الأقطان ولم تمض شهور قليلة حتى تقدم باستقالته المسببة
وهذه ليست الحالة الأولى فقد شهدت الشركة خلال السنوات الماضية سلسلة من الاستقالات والتغييرات المتكررة مما ينبئ بوجود أجواء غير معافاة وخلل إداري وهيكلي عميق يحتاج إلى معالجة جذرية لا إلى ترقيات داخل الشركة.
إن استمرار هذا الوضع يضر بمصلحة المزارع أولا لأنه فقد الضمانات التي كانت توفرها له إدارة المشروع في المدخلات والتمويل والتسويق ويضر باقتصاد الدولة ثانيا لأن بيع القطن عبر شركات صغيرة ورأسمالية محلية أدى إلى فقدان السودان لعوائد نقدية كبيرة كانت تذهب مباشرة لخزينة الدولة كما أدى إلى تراجع اسم القطن السوداني في البورصات وفقدنا معه ميزة تنافسية بنيناها لأكثر من مائة عام.
إن شركة السودان للأقطان اليوم تقف على مفترق طرق
إما أن يتم تصحيح مسارها بقرارات شجاعة وجراحات إدارية تعيد لها دورها الحقيقي وتعيد لقطن السودان مكانته عبر نظام تسويق موحد يعيد الثقة للعالم.
وإما تصفيتها وإعادة كل ما سلب من مشروع الجزيرة وبقية المشاريع من صلاحيات أولها حق بيع القطن وإستجلاب المدخلات وإدارة العملية كاملة.
فالاسم وحده لا يصنع سمعة والقطن السوداني أكبر من أن يختزل في شركة أضحت مثار جدل وما لم نستعد دورنا في السوق العالمي ونستعيد هيبة مشروع الجزيرة سنظل نخسر محصولنا ونخسر عملتنا ونخسر تاريخنا.

زر الذهاب إلى الأعلى