بقلم.. كمال كرار
الحيثيات البشعة التي سردتها قاضية المحكمة الجنائية،لتأكيد التهم الموجهة ضد المجرم والقاتل كوتشيب، تبدو قطرة من بحر إذا ما قورنت بما حدث فعلا في دارفور على مدى العقود الماضية وحتى الآن .
والمتورطون ليسوا فقط الذين ركبوا الخيل وحرقوا القرى، وقطعوا الرؤوس بالفأس، بل من أصدروا الأوامر وسلحوا القتلة وكافأوهم على جرائمهم، وشجعوهم بالقول ( أكسح أمسح ما تجيبو حي ).
وبعيدا عن ساحة القتل في دارفور، كان الدارفوريون هدفا للاغتيال في كل موقع،وللاعتقال والتعذيب، اصطادوهم داخل ساحات الجامعات، وأغرقوهم في الترعة بوادمدني،وما خفي أعظم .
رأس الرمح في القتل والتعذيب والارهاب كانوا الجنجويد، سموهم لاحقا حرس الحدود والدعم السريع .
وانظر لما جرى بعد الثورة ودعونا نسرد الحقائق المجردة .
زعيم الجنجويد تم تعيينه نائب رئيس مجلس السيادة،ورئيس اللجنة الاقتصادية ..
حركات دارفور المسلحة، التي نظريا كانت تعبر عن المضطهدين والضحايا، جلس قادتها مع زعيم الجنجويد ووقعوا معه اتفاقية تقاسم المال والسلطة .. وسكتوا عن الجرائم المرتكبة .
الحكومة الانتقالية ومجلس وزرائها المدني،طالبت بسحب اليوناميد من دارفور،رغم اعتراض الدارفوريين، بعد أن قبلت الخضوع (لهرشة) العسكر ، وتركت أهل دارفور للمصير المحتوم .
الحكومة الانتقالية ومجلس وزرائها تركت البشير وزمرته في فندق خمس نجوم كان يسمى سجن كوبر سابقا،ورفضت باصرار تسليمه للمحكمة الجنائية بالتواطؤ مع العسكر .. رغم المطالب الشعبية .
قبل الانقلاب بشهرين اجتمع وفد من الحزب الشيوعي برئيس الوزراء لمناقشة جند واحد وهو ضرورة تسليم البشير والمتهمين للمحكمة الجنائية، انصافا لأهل دارفور، تأكيدا لعدم الافلات من العقاب، والحزب كان يعلم التحركات الهادفة لاطلاق سراح البشير وبقية المجرمين،وغض الطرف عما جري في دارفور .. ولم يحرك رئيس الوزراء ساكنا ..
حركات دارفور المسلحة نفسها،تحالفت مع العسكر وفيهم زعيم الجنجويد ونفذوا مجتمعين انقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١ .. وتقاسم قادتها الوزارات والمناصب والذهب والموارد المعدنية .
وزير المالية وهو قائد حركة دارفورية مسلحة،كانت أول انجازاته تخصيص ميزانية معتبرة لمليشيا الدعم السريع، منفصلة عن موازنة وزارة الدفاع .. دليلا على تبادل المصالح والمنافع مع قتلة أهل دارفور .
اتفاقية سلام دارفور نفسها لم ترجع بقرة مخطوفة لأهلها،ولم تعيد النازحين لقراهم وحواكيرهم، ولم تعاقب أي مجرم .. ولم ترد الاعتبار للمغتصبات والمخطوفات والأرامل والجرحى ..
هذه الحقائق نقولها ليفهم السودانيون وأهل دارفور من الذي باع الدماء وقبض الثمن،فالمجرمون كثيرون بالزي الرسمي والكدمول والبزة العسكرية .
ومن ينتظر المحكمة الجنائية للانصاف فسينتظر إلى يوم القيامة العصر .
ومن ينتظر عدالة نصر الدين والمجتمع الدولي الانتقالية سيكون من ضمن زمرة بائعي الدماء .
يا عنصري ومغرور كل البلد دارفور .. والثورة وحدها هي الطريق لمعاقبة المجرمين والقتلة ، ولانصاف الشهداء والضحايا .



