الأعمدة

الذكريات صدى السنين الحاكي..


من منا لا يحمل في دواخله صندوقاً عامراً بالذكريات، حلوها ومرها، يفتحه بين حين وآخر فتنساب منه صور الوجوه والأماكن والأحداث وكأنها وقعت بالأمس القريب؟
أنا من عشاق الذكريات، غير أنني لا أحب أن أسجن نفسي داخل أسوار الماضي، فالحياة نهر متجدد لا ينبغي أن نحجز مياهه عند منعطف واحد حتى لا تركد وتفقد قدرتها على العطاء. ولذلك أؤمن بأن الحكمة تكمن في التوازن بين حلقات الزمن الثلاث؛ نستدعي الأمس للعبرة والاستفادة، ونعيش الحاضر بما يليق بأعمارنا وظروفنا، ثم نغرس للغد أشجاراً قد لا نأكل من ثمارها، لكن يكفينا أن ينعم بها من يأتون بعدنا.
وللناس مع الذكريات أحوال شتى؛ فمنهم من يعيش على أمجاد طفولته وصباه، يرويها بشغف فيشد الأسماع ويوقظ الخيال، ومنهم من يقع أسيراً لمدينة أحبها حتى صار جزءاً من ذاكرتها وصداها الحاكي، وآخرون يحملون الريف في قلوبهم أينما ارتحلوا، فلا تغسل المدن الكبيرة من أرواحهم رائحة الطين ولا دفء الحقول.
أما أنا فقد توزعت محبتي بين القرية والمدينة. فمن طين القرية تشكل عودي، ثم جاءت المدينة لتصقل ذلك العود وتفتح أمامه أبواباً جديدة من المعرفة والجمال. هناك شدتني أضواء السينما، وأخذتني الإذاعة إلى آفاق أبعد من حدود الوطن، وناداني المسرح، وخطفت التلفزة الناشئة آنذاك بصري ودهشتي، فازدحمت في داخلي الأحلام والتطلعات دون أن أعرف أي طريق ستسلك: أهو الشعر أم الغناء أم التمثيل أم الكتابة؟ فتركت الأمر للأيام، فما خاب من أحسن الانتظار.
وحين قادتني خطوات الشباب إلى الإذاعة، كان من حسن حظي أن ألتقي بالأستاذ محمد خوجلي صالحين، مدير إذاعة أم درمان آنذاك، فنصحني نصيحة لا تزال ترن في أذني حتى اليوم: “لا تستعجل نضج الموهبة، فأكمل تعليمك أولاً، ثم عد إلينا، وستجد الأبواب مفتوحة.”
ومن الذكريات التي لا تغيب عن البال عملي خلال إحدى العطلات المدرسية في مستشفيات وزارة الصحة أواخر ستينيات القرن الماضي. كنت طالباً في المرحلة المتوسطة، أتنقل بدراجتي بين الخرطوم وبحري، وأشعر أنني أملك الدنيا كلها كلما رن جرسها وأنا أعبر الشوارع المزدحمة بطلاب وطالبات ذلك الزمان الجميل.
في تلك السنوات اقتربت من عالم النجوم أكثر مما كنت أتخيل. رأيت الفنان الكبير إبراهيم الكاشف يجلس صباحاً أمام معرضه للموبليات في كامل أناقته وهيبته، والتقيت عبد العزيز داؤود الذي لم يكن يبخل على من حوله بالنكتة والابتسامة، كما عرفت عن قرب ظرف سيد خليفة، وجاذبية إبراهيم عوض التي كانت تملأ المكان أينما حل.
ولا أنسى موقفاً طريفاً مع الفنان خضر بشير، حين أردت أن أعبر له عن إعجابي بسهرة غنائية شاهدتها له في الليلة السابقة، فاختلطت علي الكلمات وقلت له: “كم أضحكتنا بالأمس يا أستاذ!” فغضب وجذبني من أذني، ظاناً أنني أسخر منه، قبل أن يتدخل أحد الأطباء موضحاً أن الصبي أراد أن يقول: “كم أطربتنا!”
ومن المشاهد التي بقيت عالقة في الذاكرة ذلك الصباح الذي وجدت فيه الفنان عثمان الشفيع يرقد على سرير متواضع بأحد عنابر مستشفى الخرطوم بعد أن أُدخل ليلاً في حالة طارئة ولم يجدوا له مكاناً مناسباً. وحين سعيت لدى المسؤولين لنقله إلى غرفة أفضل، لم ينس أن يغمرني بالشكر وابتسامته الودودة التي كانت تسبق كلماته إلى القلوب.
كانت تلك الأيام مختلفة في بساطتها وعفويتها؛ وزراء يمشون في الطرقات بلا مواكب، وأطباء يقصدهم المرضى من مختلف أنحاء العالم العربي، وفنانون يتنافسون في التغني بحب المدن والوطن، من أم درمان إلى الخرطوم وبحري ومدني وكسلا وشندي وكردفان وجوبا.
وحين أستعيد كل ذلك اليوم، لا أفعل بدافع الحنين وحده، وإنما لأن الذكريات الجميلة تمنحنا شيئاً من الدفء وسط صخب الحاضر، وتذكرنا بأن ما مضى لم يذهب كله، فما زالت بعض ظلاله تعيش فينا وتمنح أرواحنا القدرة على الابتسام.
ذكريات لم تزل في مآقينا وفينا قد تنادت وتنامت… أيقظت حباً دفينا
داعبت حسي رؤاها عزفت لحناً حنوناً يشعل الأشواق طوراً ويثير الدفء حينا
إنما الذكرى عبير حين تغشى الساهرينا وربيع فيه سحر يأسر الصب الحزينا
وها هي الذكريات تبقى، ما بقي في القلب متسع للوفاء، وما بقي في العمر متسع للأمل.
وسامحونا..

زر الذهاب إلى الأعلى