في بلدٍ تتآكل فيه تفاصيل الحياة اليومية تحت وطأة حربٍ تجاوزت ألف يوم، تبدو قصة وداد عثمان — المرأة التي لم تجد في حقيبتها سوى مفاتيح صدئة لبيت لم يعد موجودًا — مدخلًا كاشفًا لحقيقة أوسع بكثير من حكاية فردية وفق ما نقلته جريدة الشرق الاوسط في تقرير بعددها الاحير، إذ تختصر في لحظة واحدة ما يعنيه أن يتحول الوطن إلى مساحة هشّة لا تضمن لأبنائها سوى النجاة المؤقتة، ولا تمنحهم سوى ذاكرة منازل بلا أبواب، وحياة معلّقة على خيط رفيع من المساعدة الإنسانية. فهذه المفاتيح، التي فقدت معناها، ليست مجرد رمز لفقدان بيت، بل لغياب الأمان ذاته، ولانهيار فكرة الاستقرار التي كانت يومًا ما بديهية.
وتتسع هذه الحكاية الشخصية لتلامس واقعًا يعيشه ملايين السودانيين، ممن وجدوا أنفسهم فجأة خارج بيوتهم، أو داخلها لكن بلا قدرة على البقاء. فبحسب تقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، يحتاج 33.7 مليون شخص داخل السودان إلى مساعدات عاجلة، بينما تشير أرقام المفوضية السامية للاجئين إلى أن ما يقرب من 12 مليونًا نزحوا داخليًا أو عبروا الحدود إلى دول الجوار. هذه الأرقام، رغم جفافها، تكشف حجم الانهيار الذي جعل كلمة “البيت” بالنسبة لكثيرين مجرد ذكرى، أو احتمالًا بعيدًا لا يمكن استعادته.
ومع امتداد الحرب، لم يعد النزوح حدثًا استثنائيًا، بل تحول إلى نمط حياة يتكرر مع كل موجة قتال أو انقطاع غذاء أو انهيار خدمة. فالعائلات التي لم تغادر بعد قد تجد نفسها مضطرة لذلك في أي لحظة، بينما الذين نزحوا مرة قد يضطرون للنزوح مجددًا، بحثًا عن مأوى أو لقمة أو دواء. وحتى الطعام، الذي كان يومًا ما جزءًا من طقوس الحياة السودانية، لم يعد يحمل قيمته الغذائية أو رمزيته الاجتماعية، بل أصبح مجرد محاولة لإسكات جوع طفل أو إطالة يوم آخر من البقاء.
وتزداد الصورة قتامة مع تحذيرات برنامج الغذاء العالمي، الذي أعلن أنه سيضطر إلى تقليص الحصص الغذائية بنسبة تصل إلى 70 في المائة في المناطق المهددة بالمجاعة، و50 في المائة في المناطق المعرضة لها، مع احتمال توقف الإمدادات بالكامل إذا لم يتوفر التمويل. وفي بلد يقترب من عامه الثالث في الحرب، تبدو هذه الأرقام مؤشرًا على أزمة غذاء تتعمق يومًا بعد يوم، وتدفع مزيدًا من الأسر إلى حافة الانهيار.
وإذا كان الجوع سببًا كافيًا للنزوح، فإن انهيار النظام الصحي يضيف طبقة أخرى من الخطر. فالأمراض التي كان يُظن أنها انحسرت — مثل الحصبة والسعال الديكي — عادت لتفتك بالناس، بينما تنتشر الملاريا وحمى الضنك في بيئة منهكة، وتتحول الجروح البسيطة إلى تهديد قاتل بسبب غياب المضادات الحيوية. وقد وثقت منظمة الصحة العالمية أكثر من 200 هجوم على مؤسسات الرعاية الصحية منذ أبريل 2023، ما جعل العلاج نفسه ترفًا لا يتوفر للجميع، وحوّل المستشفيات العاملة إلى أماكن انتظار للموت في ظل انقطاع الكهرباء ونقص المياه.
وفي هذا المناخ، يتغير معنى “العيش” ذاته، ويتحول إلى إدارة يومية للخوف. فالصحافية عائدة قسيس، التي سقط قلبها فجأة وهي في طريقها إلى منزلها بأم درمان، ليست حالة معزولة، بل مثال على كيف يمكن للضغط النفسي والخوف المستمر أن يتحولا إلى قاتل صامت. وبين نقاط التفتيش التي تشهد ابتزازًا وعنفًا، والطرقات التي أصبحت أخطر من المرض، يعيش الناس في دائرة مغلقة من الحذر، بينما يموت الأطفال — كما يقول الأهالي — “بقلب مفطور” من الفزع.
ومع ذلك، لا يخلو المشهد من محاولات مقاومة إنسانية، إذ ظهرت مبادرات أهلية مثل “غرف الطوارئ” و“التكايا”، التي تسد فجوات الدولة المنهارة، وتوفر الطعام والدواء والإسعاف للنازحين والمحتاجين. وتقول معلمة من شرق النيل إن “التكية” ساعدت طالباتها اللواتي كنّ يغبن عن المدرسة بسبب الجوع، بينما تكشف شهادات من معسكر السلام في شمال دارفور عن واقع أكثر قسوة، حيث “لا يحمل المعسكر من السلام إلا اسمه”، وتعيش النساء والأطفال في أسمال بالية، وقد فقد كثيرون آباءهم تحت أنقاض الحرب.
ويمتد أثر الحرب إلى التعليم، الذي تلقى ضربة قاسية جعلت آلاف الطلاب خارج مقاعد الدراسة، ودفعت معلمين إلى النزوح، وحولت المدارس إلى مراكز إيواء. أما الجامعات، فقد توقفت الدراسة فيها، وتشتت الأساتذة والطلاب، بينما فقد كثيرون سنوات من أعمارهم الدراسية. ويقول أبوبكر، الطالب الذي لجأ إلى أوغندا، إنه اضطر لبدء دراسته من جديد لأن جامعته طالبت برسوم لا يستطيع دفعها، مضيفًا بمرارة: “أبي كان يمازحني: ستتخرج إلى المعاش”.
وفي نهاية هذا المشهد الطويل، تعود الحكاية إلى وداد عثمان ومفاتيحها الصدئة، وإلى هاتفها الذي صار نافذة صغيرة على احتمال يوم جديد. فالسودانيون يعيشون اليوم حياة كاملة من ألف يوم ويوم من الحرب، يتساءلون كل صباح عن سبب استمرارها، وعن كيفية كسر حصار الجوع والمرض والخوف، وعن معنى أن يبقى الإنسان حيًا في بلد فقد فيه أكثر من 150 ألف شخص حياتهم — وفق أكثر التقديرات تفاؤلًا — بين قتال مباشر أو قتل بدم بارد.
ووسط هذا كله، يبقى السؤال الأكبر معلقًا: كيف يمكن إعادة بناء حياة تمزقت إلى هذا الحد، وكيف يمكن لبلد أنهكته الحرب أن يجد طريقًا نحو غدٍ لا يكون فيه البقاء مجرد معركة يومية، بل حقًا بسيطًا من حقوق الإنسان.



