الأعمدة

متى يصبح القتل في الحرب قتلاً عمداً يوجب القصاص ، بدلاً من أن يكون مجرد قتلاً خطأً قد تبيحه بعض الفتاوىوتوجب عليه فقط الدية والكفارة؟

محمد الفاتح حضرة
سنقوم بتشريح المسألة لبيان المسؤولية المباشرة التي تقع على عاتق كل عسكري ومستنفر.
🛑بين الشريعة والقانون: متى يتحول القصف إلى جريمة قتل عمد؟
في خضم الحرب السودانية، حيث تتعرض الأحياء السكنية والأسواق والمدن والقرى للقصف المدفعي والجوي المتواصل (خاصة في المناطق التي تُسمى بـ “حواضن الدعم السريع”)، يظهر لنا جلياً أوضح مثال للتلاعب بالفتوى في :
محاولة لإخفاء جريمة القتل العمد تحت عباءة “القتل الخطأ غير المقصود”.
لكن الحقيقة الشرعية والقانونية تقطع الطريق أمام هذا التبرير، وتؤكد أن غياب الاحتراز الواجب في استخدام الأسلحة الثقيلة على المدنيين، يدفع الفعل من دائرة الخطأ إلى دائرة العمد أو شبه العمد في الشريعة الإسلامية والقانون الجنائي ، وإلى جريمة حرب في القانون الدولي الإنساني .
🛑1. الوجه الشرعي: التهور الذي يوجب القصاص (القتل شبه العمد)
إن الشريعة الإسلامية والقواعد العامة للمسؤولية لا تعامل من يُطلق صاروخاً أو قذيفةً على سوق عامرة بالمدنيين ، كمن يقتل شخصاً بحادث سير بسيط.
التكييف الشرعي للفعل هنا يتوقف على “قصد الفعل” و”نوع الآلة”:
💣أ. القتل شبه العمد (التهور كالعمد):
عندما يقصف العسكري أو المستنفر أحياءً سكنيةً عامرةً بالسكان بالأسلحة الثقيلة (كالمدفعية أو القصف الجوي بالطائرات) ، وهو يعلم يقيناً أن مثل هذه الأسلحة ليست ذكيةً تميز بين العدو المستهدف وبين المدنيين الابرياء ، وان من يستخدمها يعلم أن نتائج القصف بمثل هذه الاسلحة يغلب عليه القتل العشوائي ، فإن مثل هذا الفعل يخرج بالتأكيد من مجرد إعتباره “خطأً محضاً”.
قال الفقهاء الثقات: يُلحق مثل هذا الفعل بـ “القتل شبه العمد”، الذي يغلظ فيه الحكم لشدة التهور والاستخفاف بحرمة الدم.
و لا يسقط القصاص والدية المغلظة إلا بتنازل أولياء الدم:
* التبعة في شبه العمد: يوجب الدية المغلظة على العاقلة (التي هي الجيش أو الجهة الداعمة)، ويبقى علي الجندي القاتل الكفارة، (صيام شهرين متتابعين) لكونه تسبب بالقتل.
💣ب. القتل العمد (القصد المجرد):
إذا ثبت أن القائد أو المنفذ قصد فعلاً ضرب الأبرياء المدنيين انتقاماً أو عقاباً لكونهم “حواضن”، أو استخدم سلاحاً مُحرمًا دولياً (كالكيماوي أو القنابل العنقودية المحظورة التي لا تفرق بين أحد)، فإن أهل العلم يعتبرون ذلك قتلاً عمداً موجباً للقصاص (القود)، لأنه يعبر عن “استحلال للدم المعصوم” وغياب تام للورع والاحتراز.
🛑الحديث النبوي الحاسم:
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
“لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث:
الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة.”
(رواه البخاري ومسلم).
إن المدنيين الذين يُقتلون في أسواقهم وبيوتهم ليسوا أحداً من هذه الثلاثة أصناف ، وقاتلهم يُعتبر متعمداً وعقوبته هي الإعدام أو القصاص في الدنيا ،وربما يضاعف له العذاب في الآخرة !!!

🛑2. المسؤولية القانونية: القصف العشوائي جريمة حرب
القانون الدولي الإنساني (اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية) لا يترك مجالاً للتبرير في قضايا القصف العشوائي، ويضع المسؤولية الجنائية على عاتق الفرد المنفذ والآمر:
أ. مبدأ التمييز هو الخط الأحمر:
القانون الدولي يحظر تماماً الهجمات العشوائية، وهي تلك الهجمات التي:
* لا توجه إلى هدف عسكري محدد.
* تستخدم وسيلة قتال لا يمكن توجيهها إلى هدف عسكري (مثل القصف غير الدقيق على منطقة مأهولة).
إن قصف الأحياء السكنية بذريعة وجود “حاضنة” إجتماعية أو بوجود مقاتل أو بضعة مقاتلين ، لا شك انه خرق صريح لمبدأ التمييز ويُعد جريمة حرب بموجب النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
ب. المسؤولية الجنائية الفردية:
القانون الدولي لا يقبل عذر “كنتُ مأموراً” عندما يتعلق الأمر بقتل المدنيين.
كل عسكري، من الجندي إلى أعلى قائد، مسؤول مسؤولية جنائية فردية عن أوامره وأفعاله التي تؤدي إلى قتل الأبرياء.
إن القوانين الدولية تتجاوز حصانة الدولة لتلاحق الفرد مرتكب الجريمة مهما كان منصبه أو وضعه .
🫵نداء أخوي إلى كل عسكري ومستنفر.
إن دماء الأبرياء التي تسفك اليوم هي ذنب عظيم، وإن فتاوى العلماء المتواطئين مع المجرمين ،لن تنفع أحداً منكم يوم القيامة ، ولن تكون لكم عذراً مقبولاً أمام صريح نصوص القانون !!!
🫵إلى كل جندي أو ضابط: توقف عن القصف العشوائي للمدن والأسواق. إن كل رصاصة أو قذيفة تطلقها على حي سكني او سوق ، فإنها تُعرضك للقصاص الإلهي في الآخرة، وللمحاكمةفي الدنيا كقاتل عمد أو شبه عمد ..
لا تفتح على نفسك باب صيام سبع عشرة سنة ، كفارةً عن جهلك أو تهورك، وتذكر:
“لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”.

زر الذهاب إلى الأعلى