في سنوات الإنقاذ الاولى وعند أول زيارة للرئيس البشير الى اديس ابابا ..فوجئ رجال الامن الاثيوبيون المكلفون بحراسة الرئيس الضيف .. أن أحد المعارضين لنظام الإنقاذ والذي كان مقيما في العاصمة اديس ضمن جماعة الحركة الشعبية وهو من المقربين للدكتور جون قرنق المرافقين له ..يدخل ويعانق الرئيس البشير بحرارة ومودة ويجلس إلى جانبه يتبادلون القفشات والذكريات والاخبار بحكم أنه يمت للبشير بصلة القربى ..وهذا أمر لا يعرفه أهل تلك البلاد المضيفة إذ في عرفهم السياسي لا توجد منطقة وسطى بين الخلاف السياسي والعداوة المطلقة الا الإحتكام للحسم بالتصفية الجسدية ..فعقدوا حاجب الدهشة ظنا منهم أن ضيفهم المعارض ماهو ألا عميل مزدوج فاضمروا له سوء العاقبة.
بيد أن الراحل جون قرنق نفسه الذي كانت صوره المشوهة تتصدر صحف الإنقاذ في شكل دارا كولا تتقطر من أسنانه الدماء ..قد عاد لاحقا عودة الفاتحين بعد توقيع اتفاقية نيفاشا فاستقبلته الملايين في الساحة الخضراء استقبالا حاشدا لم يشهده السودان من قبل ..ومن ثم اصطحبه البشير شخصيا حذوك الكتف بالكتف ليؤدي القسم نائبا أول له.
ولعل الناس لم ينسوا صور الحاج آدم يوسف في واجهات كل صحف الخرطوم كهارب مطلوب ملاحق من عدالة صحبه في المؤتمر الوطني بعد المفاضلة إياها .
ولكن ذات من وصف بالمجرم المطارد ما لبث كثيرا في هجرته من الباطل إلى الحق ليعود ويصبح نائبا لرئيس الجمهورية بعد إعلان أوبته النصوحة .
تماما مثلما عاد جبريل ابراهيم لا ليمسك بتلابيب قتلة شقيقه خليل مطالبا بالقصاص العادل كما كان متوقعا ..وانما ليتسلم خزينة البلاد حصريا في أكثر من تشكيلة حكومية سابقة وحالية وربما لاحقة .
وليس من الغريب أن يحدث ذلك في بلد تحكمها ازدواجية المصالح الذاتية و العواطف السياسية الرخوة أكثر من المبادئ والثوابت الصلبة والقيم الوطنية الراسخة والعدالة القويمة الناجزة..حيث يصبح من يعود من صفوف المليشيا إلى حضن الوطن بطلا قوميا وان سبح في دماء الابرياء وارتوى ..فيوصف بأنه في هيبة خالد بن الوليد وهاهو يعلن بالأمس من إحدى المدن المحاصرة أن من أراد أن تثكله أمه فليخرج نازحا من مكانه قيد أنملة طلبا للامان وانعتاقا من الحصار والجوع.
وما المستغرب في كل ذلك
وإبراهيم بقال ذلك الصبي المتذاكي الذي تنقل راكبا في كل سروج الولاءات والعداوات حينما ظهر بالامس محمولا على الاكتاف وسط مظاهرات تفويض الجيش في بورتسودان وهو يكبر ويهلل مبتسما في سخرية من الذين راهنوا على أن عودته في هذا الظرف ستكون كخرط القتاد بعد كل ما قاله في الإسلاميين وفعله من تجاوزات مستفزة في حق بعض قادة الصف الاول من رجال الدولة . فضلا عن تنصيبه من قبل المليشيا مقابل ذلك الأخلاص لها واليا للخرطوم الهاملة بلا ولاية إبان سطو اوباش المليشيا واستباحتهم لها .
فهل من المستبعد أن يستقبل عبد الرحيم دقلو شخصيا بعد ذلك كله في بورتسودان بصفارات البواخر الراسية عند مرافئها لو أنه أعلن توبته مادا لسانه لعقوبات اولئك الكفار الفجرة..باعتبار أن عودة شقيقة حميدتي لا جدوى منها لكونه ميتا في نظر جماعة بل بس وحتى المثقفون والكتاب الصحفيون المنحازون لخيار الحرب ..منهم من يصفه بالهالك وآخرون يسمونه البعاتي.. وما ظهوره بعد إعلان حكومة دولته ( الهزيلة ) في حاضنة الخدج بنيالا الا محض ذكاء اصطناعي وهي فرضية قد ثبتت في الأذهان ويستحق عليها إعلام الجماعة إياهم التهنئة لنجاحهم في غسل أدمغة الطيبين والطيبات وكثر اولئك رفيقا . طالما ان ما يسمى في الحروب بالخدعة المطلوبة التي تجيز اتباع كل الوسائل لبلوغ الغايات !
وكله جائز في وطن النزوح و اللجوء والجنائز .



