


عزام عبد الله
الانقسام داخل الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني لم يعد مجرد خلاف في الأسلوب، بل أصبح صراعاً على النفوذ وعلى شكل العودة السياسية. ووفق المعطيات داخل هذا المعسكر، توجد رؤيتان مختلفتان. الأولى يقودها علي كرتي ومجموعة الحركة الإسلامية، والثانية تتحرك حول نافع علي نافع وقيادات في المؤتمر الوطني ترى أن وقت العمل من خلف الستار انتهى، وأن من قاتل وساند الدولة طوال الحرب لا يقبل الوقوف خارج الباب.
مجموعة كرتي تتعامل مع المرحلة بمنطق الانحناء للريح. فهي ترى أن العودة المباشرة باسم الحركة الإسلامية أو المؤتمر الوطني قد تفتح عليها أبواب المواجهة، ولذلك تفضّل البقاء في الخلف والعمل تحت الطاولة ودعم تسوية تضمن استمرار نفوذها من دون ظهور سياسي كامل. الهدف هو حماية التنظيم ومصالحه وانتظار لحظة أفضل، يمكن بعدها التخلص من الضغوط والعزلة ورفع الأسماء من قوائم الإرهاب، ثم العودة إلى المجال العام بأقل خسائر.
وما يعزز قدرة هذه المجموعة على الانتظار أنها، بحسب هذه المعطيات، تملك المال والإعلام وشبكات الحركة الإسلامية وإمكانيات تسمح لها بالانتظار. لذلك لا تبدو التسوية بالنسبة لها تنازلاً، بل وسيلة لحماية النفوذ وتقليل الخسائر وتجنب المواجهة المباشرة مع الدولة والعالم.
في المقابل، تنظر مجموعة نافع علي نافع إلى الأمر بصورة مختلفة. فهي تقدم نفسها باعتبارها جزءاً من المؤتمر الوطني لا مجرد امتداد لحركة إسلامية محظورة، وتستند إلى أن الحزب يضم أعضاء ليسوا إسلاميين أيديولوجيين. ومن هذا المنطلق ترى أنها لم تدخل الحرب لكي تُستبعد عند لحظة التسوية، وأن لها حقاً سياسياً يجب أن يظهر بوضوح بعد دعمها للسلطة والحرب.
لكن هذه المجموعة تبدو أضعف مالياً وإعلامياً من مجموعة كرتي، بينما تتركز قوتها داخل الجيش والخدمة المدنية وشبكات الدولة. وهنا يصبح الخلاف أخطر من نزاع تنظيمي، لأن الطرف الأضعف مالياً يملك أدوات ضغط داخل مؤسسات حساسة، ويمكن أن يستخدمها إذا شعر بأن التسوية ستخرجه من المعادلة.
المشكلة الأعمق أن مصلحة كل جناح قد تتحول إلى خسارة مباشرة للجناح الآخر. نجاح كرتي في تمرير تسوية تبقي الإسلاميين والمؤتمر الوطني بعيداً عن الواجهة قد يكون شرطاً لجعلها مقبولة خارجياً وداخلياً، لكنه يعني أن مجموعة نافع ستدفع ثمنها. وفي الاتجاه المقابل، فإن إصرار المؤتمر الوطني على الظهور المباشر والحصول على حصة سياسية واضحة قد ينسف الصيغة التي يراهن عليها كرتي. لذلك فإن الخلاف ليس اختلافاً في التكتيك فقط، بل صراع على من يتحمل كلفة البقاء ومن يحصل على عائد التسوية.
ومن هنا ينتقل الصراع إلى خطة البرهان. أي تسوية حقيقية تعني إدخال قوى جديدة، وهذه القوى لن تدخل بلا نفوذ أو مواقع. وكل مساحة يمنحها البرهان للجدد ستُقتطع من حلفائه الحاليين، بينما الإبقاء على حصص الحلفاء كما هي سيجعل التسوية شكلية وغير جاذبة لمن يريد إدخالهم.
هذه هي المعضلة. البرهان يحتاج إلى إرضاء معسكره بما يكفي حتى لا ينقلب عليه، ويحتاج في الوقت نفسه إلى تقديم تنازلات كافية حتى تصبح التسوية ذات معنى. وإذا شعر المؤتمر الوطني بأنها ستتم على حسابه، فقد يجد حلفاء داخل تحالف بورتسودان بين قوى تخشى هي أيضاً فقدان حصتها ونفوذها.
لذلك فإن أكبر خطر على خطة البرهان قد يأتي من داخل المعسكر الذي يستند إليه. فهو يواجه حلفاء يمكن أن يعتبروا نجاح التسوية نفسها تهديداً مباشراً لمصالحهم. وعندها تتحول التسوية من مخرج سياسي إلى اختبار لتماسك معسكر السلطة كله.



