الأعمدة

الظالمون بالظالمين… وبينهما المغيَّبون.

إذا ما نظرنا إلى مجريات الحرب بين إسرائيل وأمريكا من جانب، وفي الضفة الأخرى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، نجد أن كل يوم يمرّ في تبادل السجال المهلك للبشر، الحارق للشجر، والمدمّر للحجر، إنما يثبت حقيقة واحدة: أن وحل الحرب، متى ما انزلقت فيه الأقدام، لا يملك أحدٌ من الواقفين عليها القدرة على تحديد طريق الخروج من تلك الورطة.
الرئيس الأمريكي ترامب، بعد أن أحسّ بحاجته إلى مزيد من الدعم، ناشد حلفاءه الأوروبيين، فجاءه الرد: ليست حربنا. ومع ذلك، يبقى من الصعب التنبؤ بمواقفهم غداً، خاصة إذا ما ضاقت عليهم ممرات الطاقة والتجارة في مضيق هرمز، حيث تمسك إيران بختم المرور، رغم ما خسرته من كبار قادتها العسكريين والمدنيين.
ومع ذلك، تواصل طهران المكابرة، مدعية الصمود والقدرة على كسر عصا ما تسميه “الشيطان الأكبر”، ومهددة بمحو ما تطلق عليه “الكيان الصهيوني” من خارطة الدنيا. لكنها، في واقع الأمر، تعاقب الظل في رمال الخليج، ولا تطعن الفيل البعيد، فتخسر الجيران، دون أن تصدّ ما تسميه العدوان الإسرائيلي إلا برشقات محسوبة من صواريخها ومسيّراتها، التي وإن أحدثت رعباً في تل أبيب ونواحيها، فإنها لم تغيّر موازين المشهد.
ورغم أن أوجه الشبه قد تبدو متخيلة بين حربنا السودانية وتلك الحرب الإقليمية الواسعة، إلا أن وهم البدايات يكاد يتطابق؛ إذ تصوّر أطراف كل تلك الكوارث أنها ستكون نزهة قصيرة. لم يكن عبور جسور الخرطوم – في خيالهم – ليستغرق سوى ساعات، تماماً كما تصوّر ترامب وحليفه نتنياهو أن انهيار نظام طهران سيتم بمجرد كسر عمود البيت، أي المرشد خامنئي.
وفي خضم هذا اللعب بالنار، الذي أشعله الظالمون هنا وهناك، تبقى الحقيقة الأكثر مرارة: أن حرارة تلك النيران لا تحرق سوى المغيَّبين من الشعوب، الذين لم يُستأذنوا في إشعالها، لكن يُطلب منهم الصبر على لهيبها، ودفع أثمانها.
أما من ينفخون في نارها، ويصبّون عليها زيت التوسع، فلا يبدو أنهم قادرون – أو راغبون – في أن يكونوا رجال إطفاء؛ فمَن كان أصل المشكلة، يصعب أن يكون الحل، أو حتى جزءاً منه.

زر الذهاب إلى الأعلى