لم أندهش لإطلالة الزميلة الدكتورة (سلمى سيِّد) على شاشة تلفزيون السودان خلال عيد الفطر المبارك عبر برنامج {طعم الغياب}؛ فهذه العودة لم تكن مفاجئة بقدر ما كانت امتداداً طبيعياً لمسيرة إعلامية عوّدتنا على اقتناص المعنى الإنساني العميق من تفاصيل الحياة، وتحويله إلى مادة بصرية نابضة بالحس والذاكرة.
إن برنامج {طعم الغياب}، لا يقف عند حدود التوثيق التقليدي لمن رحلوا، بل يتجاوز ذلك إلى سبر أغوار التجارب الإنسانية والإبداعية، من خلال استضافة أشخاص لصقين بالراحل، ليقدموا قراءة تحليلية في عطائه، والبيئة التي نشأ فيها، والأثر الذي تركه، وكيف يمكن للأجيال القادمة أن تستلهم من هذا الإرث ما يعينها على الاستمرار، إنه برنامج يكتب سيرة الغياب بلغة الحضور، ويعيد تشكيل الذاكرة الجمعية بطريقة أقرب إلى التأمل منها إلى الرثاء.
وهكذا دائماً هي (سلمى سيِّد)… تعوّدنا منها الإدهاش، ورسم ملامح الإبهار على الوجوه في كل برنامج ( يحظى ويسعد ) بتقديمها، بيد أن الدهشة هذه المرة جاءت من رحم “عبقرية الغياب” التي اعتادت أن تمارسها الدكتورة النابهة، فتختفي طويلاً، ثم تعود بإطلالة مكتملة النضج، عبر برامج تضرب في عمق الإنسانية، وسلمى، الإنسانة، لا ننتظر منها إلا هذا النوع من المشاريع التي تلامس الوجدان من كل جوانبه، وتعيد ترتيب علاقتنا بالذاكرة والفقد.
نعرف (سلمى سيِّد) منذ أن تزاملنا على منصة قناة الشروق الفضائية، حيث كانت تمثل حالة برامجية خاصة، تضع بصمتها أينما حلّت، سواءً في البرامج العامة للقناة مثل ” التحقيق” أو “خيمة الشروق” أو “صباح الشروق”، أو في تلك المشاريع التي خرجت من رحم أفكارها الخاصة، مثل “أعزّ الناس” مع محمد وردي، و“زورق الألحان” مع محمد الأمين، و“الملك” مع صلاح بن البادية، وحتى عندما اتجهت (سلمى سيِّد) لتأسيس شركة خاصة للإنتاج الإعلامي كانت تدفع على منتوجها الإبداعي بسخاء من لا يخشى الفقر، مراهنة على وعي المشاهد السوداني وقدرته على تمييز السمين من الغثّ، والجيد من العابر.
تمتلك (سلمى سيِّد) حسِّاً إبداعياً عالياً في انتقاء المفردة، وربط المواقف، وبناء تسلسل منطقي ينساب بسلاسة داخل الحوار، مع قدرة لافتة على ضبط إيقاع الساعة بحيث تنسجم مع طبيعة الضيف ومحاور النقاش، وهي فوق ذلك كله، تتمتع بجدية ورصانة والتزام يصل حد القلق الإبداعي، ذلك القلق اللطيف الذي لا يفارق المبدعين الحقيقيين، كما تشكّل ” بت السيِّد” سنداً حقيقياً لفريق العمل، بتواضعها الجمّ وروحها الدافئة، فالجميع عندها عطاءٌ منضوم على خيط سبحة إبداعية متماسكة ومتناسقة، من لدن عامل البلاتو وحتى مخرج البرنامج، في مشهد نادر داخل بيئات الإنتاج التلفزيوني.
شكراً (سلمى سيِّد) على كل هذا الجمال…
وشكراً لعودتك التي انتظرها كثيرون، واستجابتك لنداء المشاهدين بالتراجع عن الغياب، فـ“بنت السيِّد” ستظل سيِّدة الشاشة، بامتلاكها ناصية المبدع القادر على أن يترك أثراً حقيقياً من المتعة والإحساس، يبقى طويلاً في وجدان الناس.



