خالد كودي، بوسطن
أولا: في مقاله المعنون “حقيقة خطاب تأسيس على أرض الواقع”، والمنشور بتاريخ 3 نوفمبر 2025، في الاسافير يقدّم نضال عبد الوهاب قراءة انفعالية، لا تخلو من التعميم والاتهام غير المؤسس، لتحالف تأسيس ومشروعه السياسي. يعتمد الكاتب على سلسلة من الادعاءات من أبرزها اتهام التحالف بتبني خطاب كراهية، وارتكاب جرائم إبادة جماعية، وتطهير عرقي، والتلاعب بشعارات مثل العلمانية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان.
وقبل البدء لندن كل التجاوزات بدون هوادة بما فيها التجاوزات الأخيرة التي وقعت في الفاشر، ونطالب بعدم الإفلات من العقاب لمرتكبيها وفقا لميثاق وتحالف تأسيس نفسه.
يعتمد نضال وغيره من ناشطي النخب الذين يتبنوا نفس رؤيته على سردية عاطفية متشنجة، تتماهى في بنيتها الخطابية مع الإرث الإعلامي لانظمة السودان القديم، إذ يعيد إنتاج نفس منطق “الشيطنة الشاملة” الذي طالما استُخدم لتجريم الهامش والمطالبة بالعدالة التاريخية. والأسوأ من ذلك أن الكاتب يتجاهل بصورة كاملة، ومتعمدة بخبث، المرجعيات الفكرية والسياسية الأساسية التي تُعرّف مشروع تأسيس، وعلى رأسها:
الميثاق التأسيسي لتحالف تأسيس، الدستور الانتقالي لعام 2025، وثيقة المبادئ فوق الدستورية،
وهي نصوص تُعدّ من أبرز ما كُتب في تاريخ السودان السياسي الحديث من حيث صرامتها الحقوقية، ووضوحها الفلسفي، والتزامها بمبادئ لا يمكن تأويلها: فصل الدين عن الدولة، العدالة التاريخية، المواطنة المتساوية، حق تقرير المصير، والمساءلة القانونية ضد الإفلات من العقاب.
واللافت أن نضال عبد الوهاب وامثاله كثر لا يكتفوا بإغفال هذه الوثائق، بل يُعرضوا كذلك عن أي إشارة موضوعية إلى جهود حكومة تأسيس، بوصفها سلطة انتقالية حديثة، في مجابهة الانتهاكات تاريخية وعميقة. وهو تجاهل لا يمكن وصفه إلا بأنه خلل أخلاقي ومنهجي في آنٍ معًا، يُفرغ مايكتبه من أي قيمة تحليلية، ويضعه في خانة الخبث، السطحية، لانفعال السياسي والمكايدة الغير ناضجة، أكثر من كونه محاولة جادة لفهم طبيعة التحول الجاري في بنية الدولة السودانية.
ثانيًا: من القيادة الشعبوية إلى القيادة التأسيسية – فارق في الوعي والمنهج:
الفرق الجوهري بين من يلجأ إلى التحريض العاطفي والإثارة السطحية، ومن يعمل على تأسيس وطن بعقلانية وعدالة تاريخية، ليس فرقًا في الأسلوب، بل في طبيعة الوعي السياسي ذاته. الأول يستثمر في الغضب الشعبي ليضمن النفوذ اللحظي، بينما الثاني يُنضج هذا الغضب إلى وعي تأسيسي منتج، يُعيد بناء الدولة لا على مشاعر جريحة، بل على مشروع تحرري ناضج!
وقد لخّص المفكر الأمريكي مايكل إريك دايسون هذه المفارقة بذكاء حين كتب:
“حين يعجز المفكر عن تفكيك بنية الظلم، يبدأ بتضخيم مظاهره. وحين يفشل في رؤية الجذور، يكتفي بالصراخ على الأغصان.” وكاتب المقال ومن لف لفه بالتأكيد ليسوا بمفكرين لكنهم يحسنوا النواح من علي الاغصان!
هنا يظهر الفرق بين الخطاب الشعبوي الذي يقتات على التهييج وبين مشروع تحالف تأسيس، الذي لا يمثل صدى للشارع فقط، بل المستقبل حيث يعمل على إعادة صياغة بنية الدولة السودانية على أسس علمانية، ديمقراطية، لا مركزية، وعدالة تاريخية تضع الإنسان في مركزها.
تاريخيًا: من شيطنة المطالب إلى تأبيد المركز- مأساة ناشطي المجتمع المدني السودانيين:
هذا التوتر بين الصراخ التهييجي والبناء السياسي تكرر في تجارب عديدة:
– في أمريكا ما بعد حركة الحقوق المدنية، لجأت بعض نخب البيض إلى شيطنة السود عبر ربطهم بالعنف والانفلات، تمامًا كما يُشيطن اليوم صوت المهمشين في السودان حين يعبّرون عن غضبهم التاريخي.
– وفي يوغوسلافيا المنهارة، صوّرت نخب المركز مطالب الأقليات كتهديد للتماسك القومي، متجاهلة عقودًا من الإقصاء. التماثل مع خطاب نضال عبد الوهاب واضح؛ إذ يُحمّل الهامش مسؤولية انقسام لم يصنعه، بل وُجد ضحيته.
وهنا نتذكر عبارة جيمس بالدوين:
“أخطر الكاذبين هو من يصدق أكاذيب السلطة ثم يكررها كأنها وعي.”
فالخطاب الذي يُدين الغضب دون مساءلة من تسبب فيه، لا يُحرّر، بل يُكرّس بنية الهيمنة.
التأسيس كوعي دستوري لا كاستجابة ظرفية:
مشروع “تأسيس” لا ينبني على ردود الأفعال أو الانفعالات العابرة، بل على وعي دستوري متماسك يُترجم الإرادة السياسية لشعوب السودان إلى نصوص مُلزمة تعيد تعريف الدولة من جذورها، على أسس العدالة والمساواة والتعدد في:
الميثاق التأسيسي يعيد صياغة مركزية الدولة على قاعدة العدالة التاريخية، مقرًّا بتعدد الشعوب وحق تقرير المصير إطار ديمقراطية لا مركزية..الدستور الانتقالي (2025) يكرّس فصل السلطات، ويجعل الحقوق الفردية والجماعية شرطًا للشرعية، لا امتيازًا تُمنحه من المركز.المبادئ فوق الدستورية تضع حدودًا صارمة ضد عودة الاستبداد، وتنص على علمانية الدولة، وتجريم التمييز، وضمان المساواة الكاملة بين المواطنين.
بهذه الوثائق، يُجسّد “تأسيس” ما وصفته حنة أرندت بأنه “تجسيد الإرادة السياسية في شكل قانون”. فالثورة، كما ترى، لا تُقاس بإسقاط الأنظمة بل ببناء المؤسسات التي تضع الإنسان في مركزها.
إن قوة “تأسيس” ليست في صوته العالي، بل في قدرته على تحويل مطالب التحرر إلى بنية قانونية تحصّن الثورة من الارتداد باسم “الوحدة” أو “الانتقال”. إنه مشروع يكتب مصير السودان عبر البنود لا البنادق، وعبر المؤسسات لا العواطف.
بين الانفعال والإسقاط: تشخيص لخطاب نضال عبد الوهاب
خطاب نضال، المنهمك في تحميل “تأسيس” وزر انفعالات المهمّشين، يُجسّد ما يسميه علم النفس التحليلي بـ”الإسقاط الدفاعي”؛ إذ يُسقط توتره الذاتي وعجزه عن استيعاب التحول الجذري على خصومه، بدل مواجهة فشله ومايمثل في تقديم بديل. وكما قال كارل يونغ:
“ما لا نواجهه في ذواتنا، يظهر لنا كقدر نرفضه في الآخرين.”
فهو لا ينقد المشروع، بل يهاجم ما يُهدّد امتيازاته الرمزية بوعي او بدون وعي.
والوعي لا يصرخ… بل يبني!
الفرق بين من يحرّض المهمّشين او يحرض عليهم بخطاب الخوف، ومن يصوغ مشروع دولة على أسس قانونية ومؤسسية، هو الفارق بين من يتوهم الثورة ومن يؤسس لها. فـ”تأسيس” ليست فوق الغضب، بل ما بعده: انتقال من الاحتجاج إلى البناء، ومن الصرخة إلى العقد الاجتماعي. وكما لخّص فانون:
“ما لم نواجه عنف البنية، سنظل نحاكم الضحية بدل النظام.”
أزمة النخب وهندسة الجهل:
أزمة السودان لم تكن نتاج الفقر وحده، بل صناعة ممنهجة لنخب سلطوية منذ 1956، احتكرت الدولة وقيّدت الشعب داخل هويات أولية: قبيلة، طائفة، جندر، ودين. هذه النخب، كما وصفها بورديو، “أعادت إنتاج الجهل كأداة للهيمنة”، مستخدمة التعليم والإعلام والدين كآليات للهيمنة، لا للتحرر.
والنخب رغم شعاراتها الديمقراطية، تخلّت عن مساءلة جذور العنف والتمييز، وأعادت تدوير امتيازاتها. وخطاب نضال وامثاله يُمثّل خلاصة هذا الفشل: خطاب اختزالي، انتهازي يعيد إنتاج منطق المركز ويُشيطن الهامش دون وعي أو مسؤولية.
لماذا تتفوق رؤية “تأسيس”؟
رؤية “تأسيس” لا تقوم على شعارات إنشائية أو طوباوية، بل على مقاربة معرفية–سياسية جذرية تُفكك منظومة الامتياز والتهميش المتوارثة منذ الاستقلال، وتعيد بناء الدولة على أسس جديدة ترتكز إلى:
– المواطنة بدل العشيرة،
– المحاسبة بدل الحصانات،
– العقلانية المؤسسية بدل الترضيات الجهوية،
– الديمقراطية التشاركية بدل المركزية السلطوية
هذه المبادئ ليست شعارات، بل نواة تعاقد سياسي موثّق في ثلاث وثائق تؤسس لأول مشروع سوداني يعالج جذور الصراع البنيوي: العنصرية، الإقصاء، ونهب الموارد.
التفوق المعرفي والأخلاقي لمشروع “تأسيس:
ما يميز “تأسيس” هو انتقاله من التشخيص إلى تقديم بديل دستوري متكامل:
– الميثاق التأسيسي (2025): يرفض العنصرية، ويكرّس المواطنة المتساوية، ويعترف بالتعدد القومي والثقافي.
– الدستور الانتقالي (2025): يضمن فصل السلطات، المحاسبة، واحترام حقوق الإنسان بوصفها أساسًا للشرعية.
– وثيقة المبادئ فوق الدستورية: تمنع عودة الاستبداد حتى من داخل المؤسسات، وتضع أسسًا لدولة علمانية، لا مركزية، عادلة.
– تثوير المجتمعات ليس إعلانًا لحظيًّا بل مسار تاريخي.
إن تفوّق “تأسيس” من حيث العمق المعرفي والصرامة الدستورية لا يعني أنّ التغيير المنشود سيتم لحظيًا أو بمجرد إعلان الوثائق. هذا الفهم التبسيطي، الذي يخلط بين إعلان المشروع وتحقيق غاياته، يكشف عن سذاجة سياسية ومنهجية، يقع فيها نضال وأمثاله ممن يظنون أن ولادة “الإنسان الجديد” تحدث بقرار فوقي أو بيان تأسيسي…
لكن التغيير البنيوي عملية تراكمية، معقّدة، تتطلّب تفكيكًا بطيئًا ومتواصلًا لبُنى التهميش والهيمنة، وبناءً ثقافيًا وتربويًا طويل النفس. كما نبّه باولو فريري، فإن التحرير الحقيقي لا يُفرض من أعلى، بل يُصاغ عبر نقدٍ مستمر للواقع، وإعادة تشكيل الوعي الجماعي. وهذا ما يدعمه تحليل هابرماس الذي يؤكد أن تحوّل المجتمعات لا يتم إلا من خلال “المجال العمومي التداولي”، حيث يُنتَج الوعي النقدي عبر نقاشات عمومية مفتوحة، وتوافقات تاريخية، لا عبر وصايا نخبويّة.
وفي السياق ذاته، أشار أميلكار كابرال إلى أن “الثورات لا تغيّر الشعوب، بل الشعوب تغيّر نفسها عبر الثورة”، مشددًا على أنّ الوعي لا يُمنح، بل يُنتج من داخل التجربة الاجتماعية، ومن رحم المعاناة.
لذلك، فإن الحكم على مشروع “تأسيس” بمقياس الفعل الفوري هو تجاهل لطبيعة التحول الاجتماعي، وجدل الزمن والوعي. التأسيس ليس لحظة انتصار، بل مسار نضج جماعي يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. ومن يختزل التغيير في سؤال: “أين الإنسان الجديد؟” بعد أشهر، يثبت جهله بعمق الجراح السودانية، ويفضح استعلاءه الأخلاقي على مجتمعات لم تُمنح من قبل حق المساهمة في كتابة دستورها أو صياغة مصيرها، ولهذا نرد علي نضال وامثاله.
إنّ “تأسيس” لا تعد بالمعجزات، لكنها تفتح أفقًا تاريخيًا جديدًا يُمكّن المجتمعات من إعادة تعريف الدولة بوصفها عقدًا إراديًا، لا سلطة قسرية. وهذا هو جوهر التحول الحقيقي.
تأسيس: من الفعل السياسي إلى بنية الوعي:
من يقرأ مشروع “تأسيس” بوصفه تكرارًا للمآسي، يغفل عن إدراك التحول الجذري في الوعي السياسي السوداني، خصوصًا في هوامش البلاد، حيث تشكّلت الإرادة الجديدة من رحم المعاناة، لا من صالونات الامتياز. “تأسيس” لا ترفع السلاح لتقاسم السلطة، بل لتفكيك بنيتها نفسها، تلك التي حوّلت الإنسان من غاية للدولة إلى أداة للهيمنة والإقصاء
الفارق بين قيادة “تأسيس” وخصومها، كحال نضال عبد الوهاب وامثاله، ليس خلافًا في اللغة، او الموقف من التجاوزات أيا كانت وضرورة المحاسبة عليها، بل خلافا في العمق: بين من يصرخ على السطح ومن يحفر في الجذر، بين من يكتفي بالضجيج ومن يبني أدوات التاريخ، بين من يعيد إنتاج التهكم ومن يصوغ مشروعًا دستوريًا جديدًا للدولة.
ومن يعجز عن رؤية هذا التحول، سيظل أسيرًا لما وصفه أنطونيو غرامشي بأنه:
“عالم قديم يحتضر، وغير قادر على إدراك ملامح العالم الجديد الذي يولد أمام عينيه!”
ولأن بعض الامتيازات لا تُفرّط بسهولة، فإن كثيرين يختارون عمى الإرادة لا قصور البصيرة. قال جان بول سارتر:
“الجبان ليس من يخشى الحقيقة، بل من يرفض رؤيتها حين تصفعه”
وها هي الحقيقة قد صفعت وجه السودان القديم في وثائق تأسيس. لكن من لم يملك شجاعة النظر، لن يملك يومًا قدرة الفعل. ومن يعاند هذا التحول، لن يكون من بناة المستقبل، بل مجرد صدى لعالم اندثر.
الردة النخبوية وشيطنة الوعي الجديد:
النخبة التي يمثلها نضال وامثاله لم تُنتج بديلًا واقعيًا، ولم تراجع فشلها التاريخي في بناء دولة المواطنة. وهي إذ تهاجم مشروع تأسيس، فإنما تفعل ذلك لأنها ترى فيه نهاية رمزية لدورها التاريخي، وسحبًا للبساط من تحت سرديتها المهترئة.
إن شيطنة هذا المشروع، واختزاله في انفعالات الغاضبين من المهمشين، لا تكشف فقط عن ضعف في التحليل، بل عن مأزق أخلاقي–معرفي عميق: نخبة ترفض الاعتراف بأن الجماهير التي كانت وقودًا للسلطة، أصبحت الآن فاعلًا في إنتاج الوعي، والدستور، والمشروع البديل.
لقد بدأت هذه الجماهير للمرة الأولى تُنتج مفاهيم سياسية ودستورية مستندة إلى تجاربها الخاصة، لا إلى تنظيرات من علٍ، وهنا يكمن جوهر الخوف النخبوي: الخوف من وعي لا يمكن احتواؤه، لأنه وُلد خارج أروقة المركز.
الوعي التأسيسي: من الخطابة إلى تأسيس الدولة:
الفرق الجوهري بين تحالف تأسيس والنخب التقليدية لا يكمُن في الخطاب فحسب، بل في المنهج والبنية والرؤية السياسية. فـ تأسيس لا تتعامل مع الغضب الشعبي كطاقة عشوائية، بل تُحوّله إلى مشروع مؤسسي متكامل، يتجسد في نصوص دستورية، وبرامج عمل، وهياكل تنظيمية تحمل رؤية واضحة لبناء دولة جديدة تقوم على المواطنة والمحاسبة والعدالة التاريخية
أما النخب القديمة، فإنها لا تُعادي مشروع تأسيس من موقع نقدي عقلاني، بل من موقع الخوف من المستقبل وانغلاق على الامتيازات الماضية. فهي لا تُسائل التاريخ الذي أنتج هذا الغضب، بل تُهاجم الغضب نفسه، وتُشيطن أصوات المهمشين بدل أن تُنصت لها. وكأنها، كما قال كارل ماركس، ما تزال تؤمن أن:
“الأفكار المسيطرة في كل عصر، هي أفكار الطبقة المسيطرة، حتى تنهار.”
وفي هذا المعنى، لا تمثل تأسيس مجرد مشروع سياسي جديد، بل بداية الانهيار الفعلي لهيمنة الأفكار الزائفة التي حكمت السودان باسم “الديمقراطية” و”الوطنية” و “المدنية”، بينما كانت تؤبّد جذور التمييز والتهميش والعنف الرمزي.
تأسيس ليست تكرارًا… بل قطيعة تاريخية واعية
إنّ تأسيس لا تعيد إنتاج الدولة القديمة في ثوب جديد، بل تُعلن – نظريًا وميدانيًا – لحظة القطيعة مع المركزية، والعسكرة، والامتيازات العرقية والدينية. إنها تُؤسّس لوعي جديد، لا ينهض بالصراخ والادعاء، بل يرتكز إلى وثائق مكتوبة، عقلانية، وعميقة الجذور في نضالات المهمشين، لا في امتيازات المركز.
خصوم تأسيس لا يهاجمون مضمونها المؤسسي والفلسفي، لأنهم يعجزون عن مجاراته، بل يُسقطون عليها أحقادهم التاريخية ومخاوفهم من موت العالم الذي صنع نفوذهم. ولهذا، فإنهم يتجاهلون الميثاق، والدستور، والمبادئ فوق الدستورية، ويكتفون بالتعليق على ما يسمعونه من أطراف الحراك، لا على ما تنتجه مؤسسات التأسيس من وعي وبنية دولة.
لكن، كما يُعلّمنا التاريخ، من لا يمتلك الشجاعة لمواجهة الجديد، سيتحول إلى مجرد شاهد ذهني على لحظة التأسيس، دون أن يكون جزءًا منها.
صوت التأسيس أقوى من ضجيج القديم:
من لا يرى في تأسيس إلا انفعالًا شعبيًا، هو ذاته من صفّق لعقود لدولةٍ أخفت المقابر، وأسكنت الضحايا في الظل، وأعادت تشكيل الجريمة في قالب قانوني.
وقد يكون – بوعي أو بدونه – ممن برّروا استمرار بنية الدولة القديمة باسم العقلانية، بينما كانت “العقلانية” تُستخدم لتصفية أصوات الغضب الشعبي بوصفها فوضى
لكن، كما قال جان بول سارتر:
“الجبان ليس من يخشى الحقيقة، بل من يرفض رؤيتها حين تصفعه.”
لقد صفعت الحقيقة وجه السودان القديم بوثائق تأسيس،
لكن من لا يملك شجاعة القراءة، لن يملك أبدًا قدرة التغيير.
أزمة الخطاب الانفعالي:
خطاب نضال عبد الوهاب لا يختلف عن الخطابات التي كانت تبرر القصف في دارفور أو فض الاعتصام في الخرطوم؛ كلها تنطلق من إسقاط أخلاقي عام على جماعة بأكملها بسبب سلوك أفراد، متجاهلة السياق الاجتماعي والسياسي الذي أنتج ردود الأفعال.
إنّ ما يفعله نضال ومن لف لفه يشبه، في التحليل النفسي، ما وصفه فرويد وغيره بـ”آلية الإسقاط الدفاعي”، أي نقل اللوم الجماعي على الآخر لستر العجز الذاتي عن الفهم.
فبدلاً من تحليل الأسباب البنيوية للعنف – الفقر، القهر، التاريخ الاستعماري للدولة – يختزل الظاهرة في “الجلابة والزرقة والعبيد”، مكرّرًا مفردات النظام الذي يدّعي مقاومته
وهنا نستدعي قول جيمس بالدوين:
“أخطر الكاذبين هو من يصدق أكاذيب السلطة ثم يكررها كأنها وعي”
خامساً: عن توظيف أصوات البسطاء
توظيف الغضب بدل تفكيك أسبابه: نضال واللاعدالة الأخلاقية:
يعتمد نضال عبد الوهاب ومن لف لفه في هجومه على “تأسيس” على اجتزاءات من أصوات المهمشين، أولئك الذين كابدوا الفقر والتهميش والحرب واللجوء، فيحوّل صرخاتهم – التي هي في جوهرها رد فعل على القهر – إلى دليل اتهام ضد المشروع بأكمله. لكن هذه الأصوات، مهما بدت غاضبة، ليست مشروعًا سياسيًا، بل تعبيرات عن كرامة مجروحة، لم تجد من يصغي إليها بصدق سوى مشروع “تأسيس”، الذي للمرة الأولى منحها أفقًا قانونيًا للاعتراف والمشاركة.
توظيف تلك الانفعالات كحجّة لتجريم مشروع تحرري، هو فعل غير أخلاقي ومعرفيًّا فاسد، لأنه يُلغي السياق ويخلط بين الألم والموقف السياسي. وكما قال الفيلسوف كارل ياسبرز:
“المسؤولية الأخلاقية تبدأ حين نميز بين الألم كحقيقة، والاتهام كأداة”
وما يقوم به نضال ومن معه يُحاكي – من حيث البنية الذهنية – ما واجهه الأمريكيون الأفارقة حين اختزلهم الإعلام الأبيض في صورة “الغاضب” أو “غير المتحضر”، لتبرير استمرار المنظومة العنصرية، كما أشار إلى ذلك مايكل إريك دايسون بقوله:
“إن تصوير المهمشين كتهديد هو شكل من أشكال الدفاع عن البنية العنصرية، لأن النظام يخاف من أن يفهم المقموع سبب قهره.”
بهذا المعنى، فإن نضال لا يهاجم الانفعالات ذاتها، بل يُجرّم إدراكها، لأنه يخشى من يقظة وعيٍ يكسر احتكار النخبة للتمثيل السياسي والأخلاقي. فمشكلته ليست مع الخطاب الغاضب، بل مع المشروع الذي يحوّل ذلك الغضب إلى عقد اجتماعي جديد. وهو بذلك لا يمارس نقدًا، بل يعيد إنتاج البنية التي صنعت الجرح، متوهمًا أنه “ينقذ السودان”، بينما يمنع وعيه من تخيل دولة لا يُحتكر فيها المركز ولا يُستثنى فيها الهامش.
ثامنًا: نحو وعي تأسيسي يؤسّس للسودان الجديد:
لن ينهض السودان بخطاب عام يخلط بين الانفعال والتحليل، وبين الغضب السياسي والوعي التاريخي. فبناء وطن حديث لا يتم عبر الشتائم والجهل ولا من خلال إعادة إنتاج خطابات النخبة القديمة في ثوبٍ معارض، بل عبر مشروع مؤسسي عقلاني ينطلق من اعتراف شجاع بالجرح التاريخي العميق، ويؤسس لنهضة قائمة على العدالة، المواطنة، والعقلانية التنموية
إن السودان الجديد الذي تنشده قوى التأسيس لا يقوم فقط على إسقاط سلطة قمعية، بل على بناء دولة تشاركية علمانية، ديمقراطية، لا مركزية، متصالحة مع تعددها العرقي والثقافي والديني.
وهذا يتطلب برنامجًا وطنيًا شاملًا يعيد بناء الإنسان السوداني من الجذور، عبر:
– مشروع تربوي نقدي يفكك مناهج الاستعلاء، ويؤسس لثقافة التعدد والاعتراف؛
– إعلام تحرري يعيد صياغة اللغة السياسية في اتجاه المساءلة لا التحريض؛
– اقتصاد إنتاجي تنموي يعالج الاختلالات البنيوية في توزيع الموارد؛
– ثقافة قانونية جديدة تجعل من الكرامة الإنسانية أساس التشريع لا الأهواء السلطوية.
وهذا ما يُجسده قول حنة أرندت حين أكدت أن:
“الثورات الحقيقية تُقاس بقدرتها على ولادة إنسانٍ جديد، لا بمجرد إسقاط حاكمٍ قديم!”
إنّ الوعي التأسيسي ليس لحظة سياسية، بل عملية تحول تاريخي تُعيد تعريف ماهية الإنسان والدولة والمجتمع. وهو ما يجعل من مشروع تأسيس — بمنطلقاته ومبادئه ووثائقه — أول محاولة جادة لصياغة “سودان جديد” لا كحلمٍ مجرد، بل كواقع قيد التشكل من داخل الهامش، وبأدواته الفكرية والتنظيمية الخاصة.
ومن لا يدرك هذه النقلة، سيبقى في جهله حبيس أدوات قديمة في مواجهة واقع لم يعُد يعترف بها.
خاتمة: تأسيس كوعي دستوري لا حركة عابرة:
من يختزل مشروع “تأسيس” في كونه تكرارًا للمآسي، إنما يُعبّر عن فقر تحليلي وعجز عن إدراك التحول البنيوي الذي تشهده البنية السياسية والرمزية في السودان. فـ”تأسيس” ليس حركة مسلّحة تتنافس على السلطة، بل مشروع عقلاني لتفكيك منظومة الاستغلال التي جرّدت الإنسان السوداني من كرامته، وحوّلته إلى وسيلة للقمع بدل أن يكون غاية الدولة.
الفرق ليس في النبرة، بل في البنية: بين من يعلّق على العرض ومن يعالج الجذر، بين من يصرخ ومن يصوغ، بين من يهدم بلا بديل ومن يبني برؤية دستورية متكاملة. “تأسيس” لا تُنتج الضجيج، بل تكتب البديل، وتُعيد رسم العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس المواطنة، العلمانية، العدالة التاريخية، واللامركزية.
وإذا كانت التحولات الكبرى لا تصدر عن المركز، بل من هوامش التاريخ، فإن “تأسيس” تُعلن ميلاد هذه الحقيقة الجديدة، بوعي دستوري لا بفتاوى نخبوية. من لم يواجه مرايا التغيير بشجاعة، لن يمتلك أدوات الفعل، وسيظل صدىً لعالم انتهى.
لكن هذا التحول لا يتم بضغطة زر. من يظن، مثل نضال عبد الوهاب، أن إعلان مشروع كافٍ لولادة الإنسان الجديد، يُعبّر عن جهل بطبيعة التغيير الاجتماعي. وكما نبّه هابرماس، فإن بناء عقلانية ديمقراطية لا يتم فجائيًا، بل عبر “فضاء تداولي” يتأسس بالتراكم والمشاركة. وأكد إرنستو لاكلو أن الفضاءات الجديدة تُبنى بإعادة خلق المعاني والمؤسسات، لا بالإرادة المجردة، وغرامشي، في حديثه عن “الكتلة التاريخية”، بيّن أن الثورة ليست حدثًا، بل عملية توازن بين الوعي والممارسة.
من هنا، فإن “تأسيس” لا يَعِد بالخلاص السريع، بل يخطّ مسارًا طويل النفس، يعيد بناء الإنسان في بيئة أنهكتها الحرب وأفسدتها النخب وسجنتها الطائفية والهويات المختزلة. من ينتقد المشروع لأنه لم يُنجز كل شيء بعد، كمن يهاجم البذرة لأنها لم تُثمر.
النضال مستمر والنصر اكيد.



