✍🏻المستشار/مهيد شبارقة
بينما تتسابق دول العالم في مضمار التحول الرقمي كخيار استراتيجي لا غنى عنه في تحسين الأداء الحكومي وتيسير حياة المواطنين يظل السؤال في السودان مطروحا وبإلحاح:
#هل يمثل التحول الرقمي ضرورة حتمية تمليها تطورات العصر والظروف المحلية أم هو ترف زائد لا يتماشى مع تحديات الواقع السوداني المأزوم…؟
اولا: التحول الرقمي بين المفهوم والأهمية:
فالتحول الرقمي لا يعني فقط رقمنة المستندات أو إنشاء مواقع إلكترونية بل هو عملية شاملة تهدف لتحسين الكفاءة وتبسيط الإجراءات وزيادة الشفافية والربط بين المؤسسات عبر توظيف التكنولوجيا الحديثة ومن خلاله يمكن تقليص البيروقراطية ومحاربة الفساد وتحسين بيئة الاستثمار وتسهيل تقديم الخدمات للمواطنين ففي الدول المستقرة أصبح التحول الرقمي ركيزة أساسية في إدارة الدولة بل إنه تحوّل إلى معيار للحوكمة الرشيدة لكن هل يمكن تطبيق هذه التجربة في السودان بذات الزخم..؟
#ثانيا: السودان بين واقع معقد وتحديات مستفحلة:
يعيش السودان واقعا بالغ التعقيد سياسياً واقتصاديا وأمنيا منذ اندلاع الحرب العبثية في أبريل 2023 حيث تسببت الحرب في انهيار البنى التحتية وتعطيل شبكات الاتصالات وانهيار الخدمات الحكومية في أجزاء واسعة من البلاد أضف إلى ذلك النزوح الجماعي وانهيار الثقة بين المواطن والدولة العميقة والشلل شبه الكامل للمؤسسات ففي ظل هذا الواقع يبدو الحديث عن التحول الرقمي لدى البعض كأنه نوع من ((التنظير النخبوي أو ترف فكري)) لا ينسجم مع أولويات المواطن الباحث عن الأمان والغذاء والعلاج لكن الحقيقة أبعد من ذلك بكثير.
#ثالثا: حين تجبرك الظروف على التحول وليس العكس: فبقدر ما تبدو الفكرة حالمة فإن الضرورة هي التي تفرض الرقمنة في السودان أكثر من كونها خيارا مترفا.د فالنزوح الواسع للسكان وتشتت المؤسسات الحكومية وتقلص النطاق الجغرافي للسلطة المركزية تفرض جميعها الحاجة لمنصات إلكترونية لتقديم الخدمات عن بعد وضمان استمرارية الدولة ولو في شكلها الرقمي كما أن التحول الرقمي قد يكون وسيلة لتفادي الفساد المستشري في الدولة من خلال الدفع الإلكتروني ومنظومات التتبع وتسجيل البيانات بصورة دقيقة وشفافة في ظل انهيار المؤسسات التقليدية قد تمثل الرقمنة آخر فرصة للحفاظ على بقايا الدولة.
#رابعا :أمثلة حية: نجاحات رغم الحصار
ورغم الظروف شهد السودان تجارب رقمية مشجعة قبل اندلاع الحرب مثل بوابة /سداد الإلكترونية و/التقديم الإلكتروني للجامعات و/نظام الدفع الرقمي في الجمارك والمصارف وبعد الحرب بادرت بعض المبادرات المدنية والمستقلة كمنصات تعليم إلكتروني تطوعية ومنظمات إغاثة تدير سجلات نازحين إلكترونيا لتثبت أن الرقمنة ممكنة حتى في الظلام.
#خامسا: عوائق حقيقية تحتاج لمعالجة:
لكن لا بد من الإقرار بالعوائق الكبيرة: كضعف البنية التحتية للاتصالات و/انقطاع الكهرباء و/محدودية تغطية الإنترنت و/ضعف الثقافة الرقمية لدى قطاع واسع من المواطنين و/انتشار الأمية التقنية في الجهاز الإداري كما أن /انعدام الإرادة السياسية والاستقرار المؤسساتي يجعل أي مشروع للتحول الرقمي هشا.
#سادسا: التحول الرقمي كرافعة للتعافي الوطني:
في سياق ما بعد الحرب يفترض أن يكون التحول الرقمي جزءا من استراتيجية إعادة الإعمار وبناء مؤسسات دولة عصرية فالتحول الرقمي لا يعالج فقط القضايا التقنية بل يسهم في تعزيز العدالة الإدارية وتقوية العلاقة بين المواطن والدولة ويعيد بناء الثقة في الخدمة العامة.
#سابعا: هل السودان مستعد للرقمنة..؟
الإجابة مرهونة بالإرادة السياسية والالتزام المؤسسي فالسودان لا يفتقر للكفاءات لكنه يفتقر للإدارة والنية الجادة.د فالتحول الرقمي ليس ترفا بل أصبح شرطا للبقاء في عالم لا يعترف بالجمود ومهما تكن الظروف فإن تجاهل الرقمنة يعني البقاء في هامش التاريخ.
#خاتمة:
التحول الرقمي في السودان ليس ترفا في غير محله بل هو ضرورة تمليها تعقيدات الواقع وتحديات المستقبل ومن يعتقد أن السودان (لا يحتاجه الآن)يغفل عن كونه الأداة الوحيدة القادرة على إعادة ترميم الدولة المتهالكة وربط أوصالها وتحقيق العدالة الرقمية والاجتماعية فإما أن نركب قطار المستقبل أو نغرق في وحل الماضي.



