الأعمدة

تحت لافتة “التنظيم” يُنفَّذ التطهير بصمت

عثمان فضل الله
لم يكن مشهد رقبة الجمل عابرًا. لم تكن تلك السيدة التي بكت بحرقة على أطلال بيتها، مجرد ضحية إزالة “عشوائيات”، بل كانت شاهدًا على ما يشبه جريمة مكتملة الأركان. بيتها هُدم دون إنذار، أمام أعين أطفالها، دون بديل، ودون حتى فرصة لإخراج أثاث أو مصحف. لم تكن دموعها استغاثة، بل كانت لعنة شعب تُرك للشتات، يُطرد من أرضه تحت شعارات كاذبة، بينما الوطن كله يتهاوى أمامنا قطعةً قطعة.
وفي الجيلي، رجل قال إنه ضابط معاشي، يروي كيف هُدم سوقه الذي عمل فيه لعقود. صوته كالصدى، يضيع في بلد لا يسمع فيه أحد أحدًا. كان يظن أن خدمته للدولة تشفع له، لكن ما اكتشفه أن الدولة لا تحفظ عهدًا ولا تعرف وفاءً، ولا تفرّق بين من خدمها وبين من لم يسألها يومًا.
الخرطوم خرابة
في قلب العاصمة، لا توجد دولة. القصر الجمهوري نفسه، مقر السيادة والرمز الوطني، خرابة يسكنها الغبار والبوم الليل. الوزارات مدمرة، المؤسسات مهجورة، المدينة بلا كهرباء، بلا ماء، بلا سكان. الخرطوم التي كانت تاج الدولة، أصبحت مدينة جاثية على ركبتيها، يُنهب ما تبقى منها أمام نظر الجميع.
ومع ذلك، لا يبدو أن هذا الخراب يزعج السلطة. عيونها ليست على العاصمة، بل على أكواخ الفقراء. هي لا ترى الخراب في الوزارات، بل تراه في “الكنابي”. لا ترى الفوضى في الشوارع، بل في منازل الطين والخشب. الجرافات لا تُوجَّه حيث انهارت الدولة، بل حيث ما تزال الأسر تكافح للبقاء.

زر الذهاب إلى الأعلى