المنوعات

هبة المهندس: عودة النجمة بعد رحلة الألم والأمل. عندما تنتصر الإرادة على المرض وتعود الابتسامة لتضيء الشاشات”

بقلم : المستشار معاوية أبوالريش

في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتلاحق المآسي، تأتي لحظات الفرح النادرة لتذكرنا بأن الحياة ما زالت تحمل في طياتها بصيص الأمل. ومن هذه اللحظات المؤثرة، ذلك المشهد الذي انتشر عبر منصة فيسبوك مؤخراً، والذي يُظهر احتفال زملاء العمل بعودة الإعلامية السودانية الرائعة هبة المهندس إلى محيط عملها، بعد رحلة شاقة مع مرض السرطان اللعين.
” نجمة سطعت في التسعينات”
لمع نجم هبة المهندس في منتصف التسعينات من القرن الماضي، حين شاركت زميلها الإعلامي الكبير الطيب عبد الماجد في تقديم برنامج “مشوار المساء”، ذلك البرنامج الذي كان يشاهده كل السودانيين عبر شاشة تلفزيون السودان. برنامج منوعات سحب البساط من جميع البرامج الأخرى، وشكّل الثنائي هبة والطيب واحداً من أروع وأشهر الثنائيات في تاريخ الإعلام السوداني.
في تلك الحقبة الذهبية للإعلام السوداني، كانت الصحافة المطبوعة تزدهر أيضاً. فشركة اليوم للطباعة والنشر كانت تُصدر ثلاث صحف مؤثرة: “أخبار المجتمع” الاجتماعية الفنية اليومية، و”أخبار الساعة” السياسية، و”عالم النجوم” الرياضية التي كانت الأشهر والأكبر في السودان آنذاك، حيث ضمّت كوكبة من الصحفيين الرياضيين الكبار أمثال المعلق الرياضي الكبير الرشيد بدوي عبيد، ومزمل أبو القاسم، والرشيد علي عمر، وياسر عائس، وبابكر مختار وغيرهم .
” لقاء لا يُنسى ”
في تلك الأيام، وأثناء تحسّسي لخطواتي الأولى على بلاط صاحبة الجلالة السودانية وأنا ما زلت طالباً بكلية القانون بجامعة النيلين، كلّفتني إدارة صحيفة “أخبار المجتمع” بإجراء حوار صحفي مع المذيعة المتألقة هبة المهندس. كان هذا اللقاء نقطة تحوّل في فهمي لشخصية هذه الإعلامية الاستثنائية.
حين ذهبت للقائها داخل مباني التلفزيون السوداني، وجدتها في قسم المنوعات. بعد إلقاء السلام وتعريف نفسي، وافقت دون تردد على إجراء الحوار، وحدّدنا موعداً في منزلها بضاحية العمارات شارع 45 بالخرطوم.
” محنة الكذب والافتراء”
لكن قبل موعد حواري معها، تعرّضت هبة المهندس لهجمة إعلامية شرسة بسبب تصريح مزعوم نسبته إليها صحيفة “الحياة والناس” زوراً وبهتاناً. العنوان المثير كان: “هبة المهندس: ليلى المغربي ليست أول وآخر مذيعة”، وهو تصريح لم تُدلِ به مطلقاً، خاصة أن الأستاذة ليلى المغربي كانت قد وقفت إلى جانبها، ولا يمكن لهبة أن تجحد فضلها.
حين وصلت لمنزل أسرتها، استقبلتني والدتها بكل ترحاب ولطف، لكنها أخبرتني أن هبة غاضبة جداً وحانقة على تلك الصحيفة، وأنها ظلّت تبكي طويلاً عقب الهجوم العنيف الذي تعرّضت له من قبل كبار الصحفيين بسبب ذلك التصريح المختلق.
” الدفاع عن الحقيقة”
بعد إجراء الحوار مع هبة، وعدتها بأنني سأبذل قصارى جهدي لتوضيح الحقائق كاملة لجمهورها ومحاولة إيقاف تلك الهجمة الشرسة. كتبت مقالاً بعنوان “ليس دفاعاً عن هبة المهندس ولكن؟” كشفت فيه النقاب عن زيف ذلك التصريح المختلق.
اتّضح أن أحد المحررين في تلك الصحيفة وجد في الحوار الذي أجرته الصحفية مع هبة ضعفاً وركاكة في اللغة، فأراد أن يُقوّي تلك المادة الصحفية بعنوان قوي، فكان أن خرج على القرّاء بذلك العنوان المثير الذي أثار حفيظة كل محبي وعشّاق وجمهور ليلى المغربي.
استطعت من خلال مقالي أن أُساهم مع زملاء آخرين في وقف تلك الحملة الإعلامية التي استهدفت هبة المهندس. وبعد أن نُشر حواري معها، قالت لي والدتها إن هبة ذكرت لها أن حواري معها هو الأفضل حتى الآن وأنها تفخر به.
” إرث عائلي في الإعلام”
هبة المهندس ليست الوحيدة من عائلتها التي سطعت في سماء الإعلام السوداني. والدها قدّم ثلاث زهرات للفضاء السوداني: هبة ومي وشهد. شكّلت هذه العائلة علامة بارزة في تاريخ الإعلام السوداني، حيث امتد تأثيرها عبر أجيال مختلفة.
شقيقتها شهد المهندس تواصل المسيرة في جيل جديد، وقد صرّحت في أحد الحوارات أنها تتشرّف بأن تصل لمستوى شقيقتها هبة، وأن الشيء الوحيد الذي أحبته فيها هو عفويتها الجاذبة التي تنصحها دائماً بالعمل بها.
” رحلة الكفاح ضد المرض”
في السنوات الأخيرة، خاضت هبة المهندس معركة شرسة ضد مرض السرطان، تلك المعركة التي اختفت خلالها عن الأنظار لفترة، تاركة محبيها وجمهورها في قلق وترقّب. لكن إرادتها القوية وإيمانها العميق ودعم أسرتها وأصدقائها، كل ذلك ساعدها على مواجهة هذا التحدي الصعب بشجاعة وصبر.
” العودة المظفّرة”
وأخيراً، جاءت تلك اللحظة المؤثرة التي انتشر مقطعها عبر فيسبوك، لتُظهر هبة المهندس محاطة بزملائها في العمل يحتفلون بعودتها بعد رحلة العلاج. مشهد يعكس مدى الحب والتقدير الذي تحظى به هذه الإعلامية الاستثنائية من زملائها ومحبيها.
” دروس من رحلة الألم والأمل”
قصة هبة المهندس تحمل في طياتها دروساً كثيرة. تُذكّرنا بأن المواهب الحقيقية لا تخبو مهما اشتدّت العواصف، وأن الإنسان بإرادته القوية يستطيع أن ينتصر على أقسى التحديات. هبة المهندس كائن لطيف وودود، استطاعت بموهبتها وعفويتها الجاذبة أن تترك بصمة لا تُمحى في قلوب محبيها. وها هي اليوم تعود لتؤكد أن النجوم الحقيقية لا تغيب نهائياً، بل تختفي أحياناً لتعود أكثر إشراقاً وتألقاً.
نسأل الله السلامة والعافية لها ولكل من يعاني من هذا المرض اللعين. وأنا على يقين راسخ بأنها ستواصل عطاءها وتتجاوز هذه المحنة بكل قوة وإصرار، فالإرادة الصلبة والإيمان العميق كفيلان بصنع المعجزات.
عودة هبة المهندس ليست مجرد عودة إعلامية أو مهنية، بل انتصار للحياة على المرض، وللأمل على اليأس، وللضوء على الظلام. رسالة لكل من يواجه تحديات مماثلة بأن الغد أفضل دائماً، وأن الشمس تشرق بعد أطول ليالي الظلام.

زر الذهاب إلى الأعلى