
مجاهد بشري
تأتي تصريحات أبو عاقلة كيكل الأخيرة قائد مليشيا درع السودان – والتي نشرتها وكالة الأنباء الرسمية للدولة “سونا” – لتكشف جانبًا أكثر خطورة في مسألة انتشار التشكيلات المسلحة خارج مؤسسات الدولة. لم يكتفِ كيكل بالحديث عن استعادة الأراضي من «المتمردين» بحسب وصفه، بل تجاوز الخطاب العسكري إلى عرض خدمات قواته في مجال إنفاذ القانون، معلنًا استعداده للتعاون مع الأجهزة الأمنية في ولاية نهر النيل لمواجهة المخدرات والتهريب والسرقات. وتشمل تلك المهام بطبيعتها الرصد والقبض والتفتيش والضبط والتحري وتسليم المتهمين، وهي إجراءات ترتبط مباشرة بالسلطة العامة وباختصاص مؤسسات الدولة.
إن إنفاذ القانون وظيفة سيادية أصيلة، لأنها تمس بصورة مباشرة حرية الإنسان وحقوقه وسلامته وممتلكاته. كما أن تلك الإجراءات لا تستمد مشروعيتها من قوة السلاح أو من النفوذ المحلي، وإنما من القانون ومن الجهة التي منحها القانون هذا الاختصاص، حيث يقوم النظام القانوني على سلسلة مؤسسية واضحة، فالشرطة تنفذ مهام الضبط وحفظ الأمن، والنيابة تمارس اختصاصات التحقيق والادعاء وفق القانون، والقضاء يفصل في الاتهامات والمنازعات وعندما تدخل قوة مسلحة غير نظامية إلى هذه السلسلة، فإنها لا تضيف قوة إلى القانون، وإنما تضيف مركزًا جديدًا للسلطة خارج البناء القانوني للدولة.
في الوضع المعقد الذي تمر به البلاد، قد تستطيع أي مجموعة مسلحة تمتلك القوة والسلاح والمعلومات المحلية أن تفعل ذلك. السؤال الحقيقي: من منحها هذا الاختصاص؟ ومن يراقبها؟ وتحت أي قانون تعمل؟ ومن يصدر لها أوامر القبض والتفتيش؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا أوقفت شخصًا بصورة غير قانونية؟ وأمام أي جهة يستطيع المواطن أن يتظلم إذا تعرض للضرب أو التعذيب أو الابتزاز أو مصادرة ممتلكاته؟
من هو أبو عاقلة كيكل؟
بدأ أبو عاقلة محمد أحمد كيكل مسيرته، وفقًا لمصادر متطابقة، تاجرًا في الأسلحة المهربة على حدود السودان مع إثيوبيا وإريتريا، وهي المهنة التي أكسبته معرفة واسعة بجغرافيا المنطقة، وعمل خلال سنوات حكم الرئيس المخلوع عمر البشير في ملفات تجارة ونقل الأسلحة. وتشير روايات متداولة إلى أنه لم يلتحق بالكلية الحربية ولم يتلقَّ تأهيلًا عسكريًا نظاميًا، لكنه ظهر في عام 2002 مرتديًا زي الجيش السوداني ويضع رتبة (فريق) خلال عرض عسكري في منطقة البطانة، رغم عدم حمله، وفق هذه الروايات، صفة رسمية بهذه الرتبة.
ومن هنا بدأت قصة القوة التي ارتبط اسمها به لاحقًا. فقد ظهرت قوة مسلحة عُرفت محليًا باسم «درع البطانة» قبل أن تستقر على اسم «قوات درع السودان»، وتوسعت عبر التجنيد المحلي في منطقة سهل البطانة الممتدة بين شرق الجزيرة والقضارف وعطبرة. وفي 27 ديسمبر 2022، ظهر كيكل في عرض عسكري بمنطقة «الجبال الغُر»، وقدّرت بعض المصادر عدد مقاتلي القوة بنحو 35 ألفًا، مع وجود تقديرات أخرى أقل.
وكان تأسيس «درع السودان» جزءًا من تحركات عسكرية وسياسية سبقت اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023. وتشير روايات إلى ارتباط نشأتها بمجموعة من الضباط المتقاعدين، من بينهم الصوارمي خالد سعد، الناطق الرسمي الأسبق باسم القوات المسلحة، الذي ارتبط اسمه أيضًا بتأسيس «كيان الوطن» في نوفمبر 2022. وبذلك ظهرت «درع السودان» كتشكيل مسلح خارج البنية النظامية للدولة، دون إطار قانوني واضح يحدد موقعها من القوات المسلحة أو أجهزة الدولة.
كذلك حملت هذه الميليشيا منذ بداياتها أجندة سياسية ومناطقية. ففي فبراير 2023 دعت إلى إلغاء اتفاقية جوبا للسلام الموقعة في أكتوبر 2020، معتبرة أنها ظلمت مناطق وسط وشمال وشرق السودان وانحازت إلى حركات دارفور. كما لاحقتها اتهامات بوجود صلات بينها والاستخبارات العسكرية أو دوائر مرتبطة بالحركة الإسلامية، وهي اتهامات نفاها كيكل ولم تُحسم بصورة مستقلة.
ومع اندلاع الحرب، انتقل كيكل إلى الطرف الآخر؛ ففي أوائل أغسطس 2023 أعلن انضمامه إلى قوات الدعم السريع، وقال إن هدفه «نصرة الهامش ومحاربة فلول النظام السابق». وأصبح لاحقًا أحد أبرز قادتها في ولاية الجزيرة، مستفيدًا من معرفته بالمنطقة وانحداره منها، وقاد قوات الدعم السريع في عمليات التوسع والسيطرة على أجزاء واسعة من الولاية، خصوصًا بعد سقوط ود مدني في ديسمبر 2023.
وخلال تلك الفترة، ارتبط اسم كيكل باتهامات واسعة موجهة إلى قوات الدعم السريع في الجزيرة، شملت القتل والنهب والسلب والاغتصاب والعنف الجنسي والتهجير والحرق. ثم جاء التحول الكبير في 20 أكتوبر 2024، عندما أعلن انشقاقه عن الدعم السريع وانضمامه إلى القوات المسلحة السودانية، بعد مفاوضات استمرت أكثر من شهرين بحسب روايات متداولة. ورحبت القيادة العامة للجيش بالخطوة ووصفتها بأنها «شجاعة»، بينما تحدثت مصادر عن حصوله على ضمانات بالعفو ورتبة عسكرية ومنصب تنفيذي بعد الحرب.
وزادت عودة كيكل إلى الجيش من تعقيد القضية بعدما ظهرت روايات عن وجود تنسيق بينه وبين الاستخبارات العسكرية أثناء وجوده في صفوف الدعم السريع، ووصفته مصادر بأنه كان «رجل الاستخبارات العسكرية داخل مضارب الدعم السريع». وإذا صحت هذه الرواية، فإنها تفتح أسئلة خطيرة حول المسؤولية عن الانتهاكات التي وقعت تحت قيادته، وحول طبيعة العلاقة بين الاستخبارات والقوات التي كان يقودها.
وشهدت مناطق شرق الجزيرة، ولا سيما رفاعة وتمبول والقرى المحيطة بهما، عمليات انتقامية من قوات الدعم السريع عقب انشقاقه، بعد احتفال سكان بانضمامه إلى الجيش، شملت بحسب إفادات وتقارير قتلًا ونهبًا وحرقًا وتهجيرًا وعنفًا جنسيًا.
ورغم إعلان البرهان إخضاع القوات المساندة للجيش لقانون القوات المسلحة لعام 2007، فإن ذلك لا يحسم تلقائيًا الوضع القانوني لـ «درع السودان» أو غيرها من التشكيلات التي انتقلت إلى جانب الجيش؛ فالانضمام إلى معسكر الجيش لا يحول القوة المسلحة إلى قوة نظامية ما لم يتم ذلك عبر نص قانوني وقرار مؤسسي وإجراءات دمج واضحة تحدد الرتب والصلاحيات وسلاسل القيادة والمسؤولية أمام القانون.
عقوبات دولية وتجريم
في تطور مهم يعكس الموقف الدولي من جرائم كيكل، فرض الاتحاد الأوروبي في يوليو 2025 عقوبات على أبو عاقلة كيكل، وذلك لدوره في عمليات قتل وجرائم تطهير عرقي وتهجير قسري وعنف ضد المدنيين. وقد شملت العقوبات تجميد الأصول وحظر السفر إلى دول الاتحاد الأوروبي.
وأوضح بيان الاتحاد الأوروبي أن كيكل، الذي كان يشغل منصب حاكم ولاية الجزيرة بعد استيلاء الدعم السريع عليها، مسؤول عن استهداف “سكان الكنابي”، وهي مجموعات عرقية تسكن قرى مهمشة في ولاية الجزيرة، ويتحدر سكانها من مناطق مختلفة من السودان، وأكثرهم من دارفور وكردفان، للعمل في المشاريع الزراعية. وقد رحبت مركزية مؤتمر الكنابي بهذه العقوبات وعدتها تطورًا مهمًا في اتجاه تحقيق العدالة الدولية، مؤكدة أن قوات كيكل ارتكبت جرائم وحشية وجرائم تطهير عرقي ترقى للإبادة الجماعية.
في المقابل، رفضت قوات درع السودان القرار الأوروبي واعتبرته جائرًا وغير قانوني، متهمة الاتحاد الأوروبي بالاعتماد على تقارير إعلامية مضللة صادرة عن جهات موالية للدعم السريع. لكن هذا الرفض لا يغير من حقيقة أن محكمة دولية قد صنفت جرائم كيكل كجرائم ضد الإنسانية، مما يطرح سؤالًا أخلاقيًا وقانونيًا حول كيفية تعامل الدولة السودانية مع قائد متهم بارتكاب مثل هذه الجرائم، وتفويضه بمهام أمنية وشرطية.
تطبيق القانون بيد الميليشيات!
وقد ظهرت بالفعل مؤشرات على انتقال «قوات درع السودان» إلى ممارسة أدوار تتجاوز العمل العسكري. فقد أعلنت القوات عن إلقاء القبض على أحد المطلوبين في قضايا تمس الأمن القومي بولاية الجزيرة، وهو ما يطرح سؤالًا مؤسسيًا مباشرًا حول الأساس القانوني الذي استندت إليه في تنفيذ عملية القبض، والجهة التي أصدرت الأمر، والجهة التي تسلمت المقبوض عليه، والإجراءات التي اتُّبعت بعد ذلك. فإذا كانت العملية قد تمت بتكليف رسمي من جهاز مختص، فيجب أن يكون ذلك التكليف واضحًا ومعلنًا وقابلًا للمراجعة. وإذا لم يوجد مثل هذا التفويض، فإن الواقعة تصبح مؤشرًا على تمدد التشكيلات المسلحة إلى اختصاصات مؤسسات الدولة.
وليس السودان غريبًا عن هذه التجربة. فقد شهد عهد نظام الإنقاذ توسعًا كبيرًا في استخدام التشكيلات المسلحة والأمنية وشبه العسكرية، بما في ذلك قوات الدفاع الشعبي والمجموعات القبلية المسلحة، في أداء أدوار عسكرية وأمنية. ومع مرور الوقت، أدى تعدد مراكز القوة المسلحة إلى تعقيد بنية الدولة، وأصبح المواطن أمام جهات متعددة تمتلك السلاح وتشارك في فرض النظام، بينما تراجعت الحدود الفاصلة بين المؤسسة الرسمية والقوة السياسية والمجموعة المسلحة. وقد ارتبطت تلك المرحلة، بحسب تقارير حقوقية وشهادات عديدة، بانتهاكات واسعة وبتجاوزات أضعفت سيادة القانون وثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.
هكذا تختصر سيرة كيكل مأزق الميليشيات في السودان: رجل بدأ، وفق الروايات المتداولة، من تجارة السلاح، ثم ارتبط بقوة مسلحة عُرفت أولًا باسم «درع البطانة» ثم «درع السودان»، وحملت أجندة سياسية ومناطقية، قبل أن ينضم بها إلى الدعم السريع ثم ينتقل إلى الجيش. إنها رحلة تكشف كيف يمكن للسلاح خارج مؤسسات الدولة أن يتحول إلى وسيلة للنفوذ، وأن يصبح تغيير الولاء كافيًا لإعادة تقديم صاحب القوة باعتباره جزءًا من الدولة، دون حسم واضح لمسؤوليته أو للوضع القانوني للقوة التي قادها.



