الأعمدة

أبو لولو: قناع الوحشية الذي تختبئ خلفه قيادة الدعم السريع”

تحليل استراتيجية "الجزار الرمزي" في مجازر الفاشر

#image_title

#image_title

كتب: معاوية أبوالريش
تكشف عملية اعتقال “أبو لولو” المزعومة عن واحدة من أخطر الاستراتيجيات التي تنتهجها مليشيا الدعم السريع لتبييض سجلها الإجرامي بعد المجازر الوحشية التي ارتكبتها في مدينة الفاشر. هذه الاستراتيجية، التي يمكن تسميتها “استراتيجية الجزار الرمزي”، تقوم على تحويل جرائم منظمة ممنهجة صادرة عن قيادة عسكرية إلى أفعال فردية يتحملها شخص واحد، وكأن آلاف الضحايا الذين سقطوا في الفاشر كانوا ضحية مجرم واحد متوحش، وليس ضحية مؤسسة عسكرية تعمل بأوامر مباشرة من قياداتها.
“مجازر الفاشر: السياق الذي أنتج أبو لولو”
عقب دخول قوات الدعم السريع إلى مدينة الفاشر، شهدت المدينة موجة غير مسبوقة من العنف الوحشي ضد المدنيين الأبرياء. في خضم هذه المجازر المنظمة، ظهر أبو لولو في مقاطع فيديو مروعة يتفاخر فيها بقتل أكثر من ألفي مواطن مدني أعزل بدم بارد. هذه الفيديوهات لم تكن تسريبات عفوية، بل كانت جزءاً من حملة إعلامية محسوبة تهدف إلى نشر الرعب في قلوب أهالي الفاشر والمناطق الأخرى التي لم تسقط بعد في قبضة المليشيا. كانت الرسالة واضحة: هذا هو المصير الذي ينتظر كل من يقاوم أو يرفض الخضوع.
“الخدعة الاستراتيجية: تجسيد مجازر الفاشر في شخص واحد”
نجحت مليشيا الدعم السريع، بدعم إعلامي محكم، في صناعة “أيقونة إجرامية” اسمها أبو لولو لتكون الوجه المرئي لكل ما حدث في الفاشر. لكن السؤال الجوهري الذي يجب طرحه: هل يمكن لشخص واحد، مهما بلغت وحشيته، أن يرتكب هذا الكم الهائل من الجرائم في مدينة بحجم الفاشر دون غطاء مؤسسي وأوامر عليا؟ الإجابة بالطبع لا. أبو لولو ليس استثناءً شاذاً في صفوف الدعم السريع، بل هو نموذج مصغر لمنظومة إجرامية كاملة اجتاحت الفاشر. كل جريمة ارتكبها كانت بأوامر مباشرة، وكل قطرة دم سالت في شوارع الفاشر كانت ضمن سياسة ممنهجة تديرها القيادة العليا للمليشيا، وعلى رأسها القائد الثاني عبد الرحيم دقلو الذي أصدر الأوامر المباشرة لتنفيذ هذه المجازر.
“ضرب عصفورين بحجر واحد”
هذه الخدعة الذكية والخبيثة تحقق للدعم السريع هدفين استراتيجيين في آن واحد بعد سقوط الفاشر. من جهة، تمثل عملية نشر فيديوهات أبو لولو وهو يتفاخر بجرائمه في الفاشر رسالة واضحة لسكان المدن الأخرى بأن هذا هو مصيرهم إن قاوموا. إنها استراتيجية نفسية لنشر الرعب وكسر إرادة المقاومة الشعبية في المناطق المتبقية. الوحشية المصورة في الفاشر ليست عفوية، بل هي أداة ترهيب مقصودة تديرها غرف العمليات النفسية للمليشيا. ومن جهة أخرى، عندما تتصاعد الضغوط الدولية والإدانات الأممية بسبب ما حدث في الفاشر، يصبح من السهل على قيادة الدعم السريع أن تعلن إلقاء القبض على المجرم وتقديمه للمحاسبة. بهذه الخطوة، تحاول المليشيا أن تظهر بمظهر المؤسسة التي تحاسب المنحرفين في صفوفها، بينما الحقيقة أن أبو لولو كان ينفذ الأوامر المباشرة التي صدرت من عبد الرحيم دقلو لتنفيذ مجازر الفاشر.
“المسرحية الهزيلة: اعتقال مُدبّر بعد المجزرة”
بعد أن نشر أبو لولو رعبه في الفاشر وأدى دوره المطلوب في ترهيب السكان، جاء الفصل الثاني من المسرحية. الفيديو الذي نشرته قوات الدعم السريع يظهر أبو لولو موثقاً بالأصفاد ويدخل في زنزانة، في مشهد إخراجي واضح المعالم. لكن عدة مؤشرات تكشف زيف هذه المسرحية. التوقيت المريب للاعتقال يأتي مباشرة بعد أن اكتملت مجازر الفاشر وبعد أن أدى أبو لولو وظيفته كاملة في نشر الرعب، وكأنه محاولة لامتصاص الغضب الشعبي والدولي الذي تصاعد بسبب وحشية ما حدث في المدينة. كما أن غياب الشفافية الكامل يثير الكثير من التساؤلات، فلم تقدم المليشيا أي تفاصيل حقيقية عن عملية الاعتقال، ولا عن المحاكمة المزمعة، ولا عن الجهة التي ستحاكمه. والأخطر من ذلك أن التناقضات المتعمدة بدأت تظهر على السطح، حيث تتسرب إشاعات مفادها أن أبو لولو ليس عضواً حقيقياً في الدعم السريع، وهي الخطوة التالية المتوقعة في هذه المسرحية، أي إنكار الانتماء بعد استنفاد الفائدة من التهديد والترهيب في الفاشر.
“الستار الذي يختبئ خلفه مجرمو الفاشر الحقيقيون”
أبو لولو، في نهاية المطاف، ليس إلا ستاراً دخانياً يختبئ خلفه القادة الحقيقيون الذين خططوا ونفذوا مجازر الفاشر. بينما يتم تصويره كقاتل مأجور منفرد تحول إلى وحش بمفرده، يواصل عبد الرحيم دقلو الذي أصدر الأوامر المباشرة بتنفيذ المجازر في الفاشر ، وغيره من قادة الدعم السريع، ممارسة حياتهم دون أن تطالهم المحاسبة عن الدماء التي سالت في شوارع الفاشر. هذه الاستراتيجية ليست جديدة في تاريخ الجرائم ضد الإنسانية، فلطالما حاولت الأنظمة الإجرامية أن تُلقي بالمسؤولية على عناصر منحرفة أو جنود متطرفين، بينما تبقى القيادة بعيدة عن دائرة الاتهام. لكن التاريخ والعدالة الدولية أثبتا مراراً أن المسؤولية عن مجازر مثل ما حدث في الفاشر تبدأ من القمة، وأن الأوامر الإجرامية تصدر من غرف القيادة، لا من الجنود في الميدان.
“الحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها عن الفاشر”
مهما حاولت مليشيا الدعم السريع تلميع صورتها بهذه المسرحية الرخيصة، فإن الحقائق الموثقة عن مجازر الفاشر تظل أقوى من أي دعاية. آلاف الشهود الأحياء من أهالي الفاشر الذين نجوا من المجازر يروون قصصاً متطابقة عن جرائم منظمة ارتكبتها عناصر الدعم السريع بشكل ممنهج ومتكرر عقب دخولهم المدينة. التقارير الحقوقية التي بدأت تتوالى من منظمات دولية محايدة توثق جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في الفاشر، مع أدلة دامغة على التخطيط المسبق والتنفيذ المنظم. كما أن مقاطع الفيديو والصور التي انتشرت من الفاشر لا تُظهر فرداً واحداً يرتكب الجرائم، بل منظومة كاملة من الوحشية تعمل بآلية واحدة وتحت قيادة موحدة صدرت عنها أوامر واضحة بإبادة المدنيين في الفاشر.
“لا محاسبة بدون محاسبة القيادة عن مجازر الفاشر”
إن اعتقال أبو لولو، إن كان حقيقياً، لا يعدو كونه قطرة في محيط الإفلات من العقاب عن مجازر الفاشر. المحاسبة الحقيقية تبدأ من قمة الهرم الإجرامي، من عبد الرحيم دقلو الذي أصدر الأوامر المباشرة لتنفيذ المجازر في الفاشر، وكل القادة الذين خططوا لهذه الجرائم البشعة. أبو لولو ليس كل الدعم السريع كما تحاول المليشيا أن توهمنا، بل هو وجه واحد من ألف وجه لمنظومة إجرامية واحدة اجتاحت الفاشر. وطالما بقيت القيادة بعيدة عن المحاسبة، ستستمر الجرائم في مدن أخرى، وسيظهر “أبو لولو آخر” في كل مدينة تسقط، ثم آخر، في دورة لا تنتهي من الإفلات من العقاب.
على المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية أن تدرك أن هذه المسرحية الهزيلة لا تُقدم ولا تُؤخر في ملف العدالة لضحايا الفاشر. العدالة الحقيقية تبدأ من محاكمة القادة الذين أمروا بالمجازر، لا الجنود الذين نفذوها، وإلا فإننا سنشهد المزيد من الأشخاص الذين تصنعهم المليشيا لتنفيذ جرائمها ثم تتخلى عنهم عندما تقتضي المصلحة. أهالي الفاشر والسودان بأسره يستحقون العدالة الحقيقية، لا المسرحيات الزائفة التي تحاول مليشيا الدعم السريع تقديمها للعالم في محاولة يائسة للهروب من المحاسبة الحتمية التي تنتظر قادتها عن الدماء التي سالت في شوارع الفاشر.

زر الذهاب إلى الأعلى