
د. عبد العظيم حسن
المحامي – الخرطوم
الحقيقة التي لابد من الاعتراف بها أن متطلبات الحياة اليومية لم ولن تتوقف. وسواءً قبل أو بعد فشل تمرد الجنجويد، لم يعد السؤال الذي يواجه السودان هو: هل نحتاج إلى الحوار؟ وإنما أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف نهيئ لحوار يستطيع أن يعالج الأزمة، لا أن يعيد إنتاجها في صورة جديدة؟ فحرب الخامس عشر من أبريل لم تكن وليدة لحظة واحدة، بل جاءت في سياق أزمة سياسية وعسكرية بدأت بانقلاب على السلطة، ثم تحولت إلى حرب أوسع ألحقت بالدولة والمجتمع كلفة هائلة من الأرواح والتهجير والدمار وتعطيل مؤسسات الدولة والاقتصاد. ولذلك فإن انتهاء القتال، على أهميته، لا يعني بالضرورة انتهاء الصراع؛ فالحرب التي بدأت في سياق التنافس على السلطة قد تنتقل من ساحات المواجهة إلى ساحات السياسة، ما لم تُعالج جذورها.
وتبدأ صعوبة التهيئة من حقيقة أن الصوت السوداني ظل، طوال سنوات الحرب، أضعف من أصوات الخارج؛ فقد تداخلت المصالح الإقليمية والدولية مع الصراع الداخلي، وتعددت المبادرات والوساطات، حتى بدا السودان في كثير من الأحيان موضوعاً للحلول أكثر منه شريكاً في صناعتها. وفي المقابل، ساهم الانقسام السوداني نفسه في إضعاف الصوت الوطني، حين تحول الخلاف السياسي إلى تنافس على من يملك حق تمثيل السودان ومن يملك حق تحديد مخرجه. كما تحولت الحرب لدى بعض القوى من مواجهة عسكرية إلى امتداد للصراع السياسي، فأصبح إنهاؤها مرتبطاً أحياناً بإقصاء الخصم وتحقيق الانتصار عليه، مهما كانت الكلفة الوطنية. وهنا تبرز المفارقة الأعمق: فالحرب نفسها نشأت في ظل صراع على السلطة، أولاً بين المدنيين والعسكريين، ثم داخل المكوّن العسكري، ولذلك فإن وقف الحرب من دون معالجة هذا الجذر قد لا ينهي الصراع، وإنما ينقل أدواته من السلاح إلى السياسة.
ومن هنا تبرز أهمية الحوار السوداني ـ السوداني باعتباره مدخلاً لاستعادة زمام المبادرة الوطنية، وتوسيع دائرة المشاركة في معالجة الأزمة، وهي فكرة تتقاطع في أصلها مع ما تطرحه الجهود الإقليمية والدولية من ضرورة قيام حوار شامل تقوده ملكية سودانية. لكن الحوار، وهو يخرج من قلب هذه التناقضات، لا يمكن أن يكون بمنأى عنها؛ فالتهيئة للحوار ليست مجرد ترتيبات تسبق انعقاده، وإنما هي الاختبار الأول لقدرته على النجاح. فإذا ظلت التهيئة أسيرة الاستقطاب والصراع على التمثيل والسلطة، فقد يبدأ الحوار قبل أن يبدأ، لكنه يعيد إنتاج الأزمة بأدوات سياسية جديدة. ولذلك فإن التحدي الحقيقي ليس التخلي عن الحوار، وإنما تحرير التهيئة له من منطق الحرب، وتحويلها إلى عملية وطنية مستقلة تسبق الحوار، وتعيد للسودانيين زمام المبادرة، وتفتح الطريق أمام حوار يعالج جذور الأزمة لا مظاهرها وحدها.
د. عبد العظيم حسن
المحامي – الخرطوم
2 أكتوبر 2026
[03/10, 00:48] Abdelazim Hassan: *دولة القانون*
*التهيئة للحوار [2]*
إذا كانت التهيئة للحوار شرطاً لنجاحه، فإن السؤال التالي هو: من يهيئ للحوار؟ وهل تظل المهمة مسؤولية المبادرين إليه والجهات التي تسعى إلى تشكيل لجنته التحضيرية وتحديد المشاركين وأجندة النقاش؟ أم أن التهيئة نفسها ينبغي أن تتحول إلى فعل وطني واسع يعبّر عن إرادة السودانيين في إنهاء الحرب وإعادة بناء دولتهم؟
في تقديري، لا يمكن أن تبدأ التهيئة الحقيقية من القاعات السياسية وحدها، وإنما من السودانيين الذين ذاقوا آثار الحرب، وفقدوا الأمن والمأوى والعمل والتعليم والخدمات، ورأوا بأعينهم ما يمكن أن تفعله الحرب بالدولة والمجتمع. ومن هنا يمكن أن ينشأ تيار وطني واسع، مناصر لكيان الدولة ووحدتها، يرى في الحوار وسيلة لبناء المستقبل، لا وسيلة لتقاسم السلطة أو إعادة توزيع النفوذ.
وتزداد أهمية هذا الدور في ظل طبيعة الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة والدعم السريع، بعد أن كان الأخير قوة نظامية بموجب القانون المنظم له. ولا ينبغي أن يحول هذا التوصيف دون مساءلة جميع الأطراف عن الانتهاكات، لكنه يؤكد أن القضية تجاوزت تغيير سلطة إلى سؤال أكبر يتعلق بمستقبل الدولة ووحدتها واحتكارها المشروع للقوة.
وفي هذا السياق، ينبغي أن تضطلع لجنة التهيئة بدور إعلامي يتجاوز الدعوة إلى الحوار وترتيب المشاركة فيه، ليشمل إعداد السودانيين لمرحلة ما بعد الحرب. فالعودة إلى الوطن لن تعني استئناف الحياة من حيث توقفت؛ فالنازحون واللاجئون قد يجدون دياراً خاوية، ومدناً ومرافق مدمرة، وخدمات تحتاج إلى إعادة إعمار كامل. ولن تكون ظروف العودة شبيهة بما اعتاد عليه كثيرون في مصر أو دول الخليج أو دول الجوار. ولذلك تحتاج العودة إلى روح من التضحية والصبر وبذل الغالي والرخيص في سبيل إعادة بناء الوطن.
ومن هنا تبدأ التهيئة الحقيقية: بتحويل الرغبة في الدولة إلى إرادة وطنية فاعلة، وجعل الحوار مشروعاً للمجتمع السوداني لا ترتيباً بين النخب، ليكون مدخلاً لإنهاء الحرب والانتقال من إدارة الصراع إلى تأسيس الدولة.



