في كتابه (مشاوير خضراء ) الذي سرد فيه الوالد ..طيب الله ثراه سلسلة من ذكرياته في مراحل العمل العام وحكى فيه جوانب هامة تتعلق بشئون وشجون مشروع الجزيرة والمناقل وقضايا اهلنا المزارعين بمختلف تنوعها والرحلات الخارجية الخ ما جاء في ذلك الكتاب صغير الحجم كبير المعاني.
ولكن من اللافت فيه ما جاء عن سيرة المزارع المناضل الجسور و السياسي المخضرم الشيخ الامين محمد الامين عليه رحمة الله وغفرانه ..وقد كان الوالد مع عمنا يوسف احمد المصطفى رحمه الله يرافقان الشيخ الامين ضمن مشاركة اتحاد المزارعين في جبهة الهيئات حينما قادت الشارع مع الآخرين في مختلف الفعاليات السياسية والفئوية والتي لعبت دورا محوريا في تفجير ثورة اكتوبر 1964 وقد شهدت انا تلك المرحلة وكنت صبيا في الثانية عشرة من عمري حينما كنت ادرس في مدرسة ابوسعد الأولية التي انتقلت إليها في بداية السنة الرابعة بمدرسة التمديد لامتحن من مركز الأميرية الوسطى بام درمان..
المهم هذا ليس موضوعنا وانما الشيء بالشيء يذكر.
فعند تشكيل حكومة الثورة الأولى عقب تنحي سلطة الفريق عبود ..حظي المزارعون بمقعد وزاري شغله الشيخ الامين وزيرا للصحة..مما أثار بعض الاحتجاجات في أوساط المزارعين اعتقادا منهم أن مكان الرجل الطبيعي بحكم علاقته بالمشروع اما وزارة الزراعة أو الري ..هذا إلى جانب سيل سخرية بعض المثقفين والافندية من أن يتبوا مزارع بالثوب والعراقي البلدي وبلحية كثة هذه المكانة الرفيعة ليتنسم منصبا يفترض أن يتولاه من يفهم في طبيعة الموقع بالمؤهل ويمتاز بالخبرة اللازمة.
يقول الوالد .
في اول اجتماع للشيخ الامين مع كبار مسئولي وزارته وكلهم من المختصين كل في مجال عمله ..قال لهم بالحرف الواحد .
انا جئتكم وزيرا من خارج قبيلتكم الفنية .. مزارع قح حدود معرفتي التقنت وأبو عشرين والبرقان وترجمها لغير الناطقين منهم بلغة الناكوسي والكركعوب.
ثم زاد بصراحته المعهودة قائلا ..ولا أفهم في انواع الميكروبات أو الفيروسات ولا الفرق بين خصائص البنسلين والاسبرين .
انا وظيفتي تنفيذية كحلقة وصل بين الوزارة ورئاسة الحكومة وانتم فنيون مهمتكم أن تجهزوا لي ملفا بكل متطلبات تطوير القطاع لتغطية كافة الاحتياجات وسد الثغرات وتكملة كل النواقص والاحتياجات وإن كان لديكم أية مقترحات زيادة ..فمهمتي ان اعرض كل ذلك على مجلس الوزراء واتعهد لكم بإحضار المال اللازم قدر المستطاع للتنفيذ على ارض الواقع بعد ان تحددوا كم يلزمكم منه وفق الأولويات الملحة.
وبالفعل يقول الوالد..
رافقنا الشيخ الامين لحضور أول جلسة عمل للحكومة وعند مدخل القاعة وجدنا الراحلين محمد احمد محجوب وزير الخارجية ومبارك زروق وزير المالية والاقتصاد عليهما الرحمة فأخرج شيخ الامين من حقيبته ملف احتياجات وزارته الذي أعده له مساعدوه بدقة عاليه وقدمه لوزير المالية . فقال له المحجوب ضاحكا وممازحا ..هذا الملف مكانه بالداخل ياشيخ العرب وليس في ساحة المجلس .فرد عليه الشيخ الامين ..اعلم ذلك.. ولكن اردت أن أفتح لصاحب المال أذنه قبل انعقاد الجلسة .
وبالفعل حينما بدأ الاجتماع سال رئيس الوزراء السيد سر الختم الخليفة ..رحمه الله ..المجتمعين ان كانت مطالب وزاراتهم جاهزة. فتلفتوا دون إجابة ..إلا شيخ الامين الوحيد الذي أخرج ملفه جاهزا بكل مطالب وزارته . فاجيزت ميزانيته في الحال وأحيلت لوزير المالية للتنفيذ الفوري
هنا أسقط في يد ممثل الإخوان المسلمين في الحكومة الراحل محمد صالح عمر وزير الثروة الحيوانية عليه الرحمة الذي رفع إصبعه محتجا وواصفا إجازة ميزانية وزارة شيخ الامين بهذه العحلة ..بانها أمر يبدو قد طبخ بليل.
فتصدى له الشيخ الامين بكل جسارة وحزم .. بأن الأمر ليس كذلك وانما هو من قبيل عدم تأجيل عمل اليوم إلى الغد ليس إلا .
يقول الراحل الدكتور موافي عبد الفتاح رحمه الله وكيل الوزارة في عهد شيخ الامين
الذي لم يتجاوز الستة أشهرفقط كوزير للصحة
ان ما أنجزه لنا الوزير المزارع خلال تلك الفترة القصيرة عجزنا عن تحقيقه في كل عهود الحكومات الوطنية منذ الاستقلال وضرب مثلا بفصل قطاع الطب الوقائي عن الطب العلاجي وهي خطوة كانت تمثل حلما وهاجسا للمسئولين في وزارة الصحة إلى جانب تحقيق انجازات أخرى تتعلق بامتيازات عدة للعاملين وغير ذلك
وقد لا يعلم الكثيرون أن شيخ الامين هو من وضع اللبنات الاولى لمستشفى سوبا بحكم علاقته بالاتحاد السوفيتي وقد تكفلت بتكملة بنائه حكومته وقتها .
لا نقول طبعا إن التخصص ليس مهما في تولي المناصب ..ولكن إذا كان التخصص هو بمثابة السيف الذي يقطع فإن الشجاعة والجرأة في معرفة الشخص لحدود إمكاناته بالتواضع والصراحة وسرعة الحركة في الانجاز هي الساعد الذي يضرب بذلك السيف بلوغا للهدف .
وعفوا للأطالة التي أقتضاها تفصيل السرد..
ولكن نختم باحدى طرائف الدكتور موافي عبد الفتاح وكيل وزارة الصحة الذي كان كثيرا ما يمازح صديقه الوزير شبخ الامين ..
فيقول أنه جاء مبكرا للوزارة فوجد شيخ الامين قد سبقه البها وهو يجلس على كرسي عند المدخل وبعد أن حياه ..سأله منذ متى يا شيخنا وانت تجلس هنا ..فأجابه الشيخ الامين ..عقب صلاة الفجر .
فضحك دكتور موافي واردف.. قائلا ..
الحكاية شنو يا مولانا.. اصلك ماسك ليك موية .
رحم الله رجالا وعدوا وعملوا فانجزوا وذهبوا تاركين سيرة ما بها حطة ولا درن ..نرجو أن تكون نبراسا يضي للقادمين طريقهم لأخذ العبرة من حسن القدوة تحقيقا لما يفيد الوطن ويصب في مجرى الصالح العام قبل التفكير في المصالح الذاتية ووجاهة المنظر الذي يعمي عن نجاعة المخبر .
والله من وراء القصد .



