✍🏻 المستشار/مهيد شبارقة
فمنذ توقيع اتفاقية جوبا للسلام في أكتوبر 2020 ظل الأمل يراود قطاعات واسعة من الشعب السوداني بأن تؤسس الاتفاقية لعهد جديد من العدالة المتوازنة في التنمية والسلطة والثروة غير أن ولايات الوسط والشرق رغم كونها من أكثر الأقاليم تهميشا تاريخيا في مجالات الخدمات والتمثيل السياسي لم تحصد من الاتفاق سوى ((نصوص فضفاضة)) بينما ذهبت الامتيازات الأكبر للحركات المسلحة وأقاليم دارفور والمنطقتين دون أن ينظر بعين الإنصاف إلى الشرق والوسط…!!
#اولا: اتفاق جوبا… لمن؟
لم تكن اتفاقية جوبا في جوهرها سوى /عملية محاصصة سياسية جرت في ظروف انقلابية ومرحلة انتقالية هشة برعاية إقليمية ودولية وقد سيطرت على مجرياتها الحركات المسلحة التي حظيت بتمثيل وزاري وحصص سيادية ووظائف في الخدمة العامة والولايات دون وجود تمثيل حقيقي لأقاليم الوسط والشرق ولا لمطالب أهلها. وأضحى واضحا أن الاتفاق صمم ((ليسترضي حاملي السلاح لا لحل القضايا الوطنية الكبرى))
#ثانيا: تهميش مقنن في بنود الاتفاق:
يلاحظ أن نصوص الاتفاقية لم تعط إقليم الوسط (الجزيرة /سنار/ النيل الأبيض) ولا إقليم الشرق (كسلا/ القضارف/ البحر الأحمر) أي تمثيل خاص في السلطة السيادية أو التنفيذية أو التشريعية كما فعل مع دارفور والمنطقتين.
كما لم يدرج أي مسار تفاوضي متكامل لأبناء هذه الأقاليم واكتفي بمسار الشرق الذي أثار نزاعا حادا بين مكونات البجا نفسها دون أن يشمل أبناء الوسط..!!
وإن طرحت حجة أن هذه المناطق ليست ساحات قتال فإنها مغالطة لأن التمييز الإيجابي لا يُبنى على حمل السلاح بل على /معايير التهميش التاريخي وغياب التنمية والمشاركة وهذه متحققة في الوسط والشرق بقدر ما هي في أي إقليم آخر.
#ثالثا: الوسط كسلة غذاء مهمشة:
رغم أن إقليم الوسط خاصة ولاية الجزيرة يشكل قلب الإنتاج الزراعي ويحتضن مشروع الجزيرة التاريخي إلا أنه لم يمنح أي تمييز في توزيع الموارد ولم يراع حجم مساهمته الاقتصادية كما لم يعالج تدهور الخدمات الصحية والتعليمية والتنموية في كل مدنه وقراه…!!
فأبناء الجزيرة وسنار والنيل الأبيض لم يكونوا جزءا من الحوارات أو اللجان أو الاتفاقيات وبقي صوتهم مهمشا سياسيا رغم ثقلهم السكاني والاقتصادي وحتى على صعيد الوظائف العامة تضاءل حضورهم أمام صعود المجموعات المرتبطة بالحركات الموقعة…!!
#رابعا: الشرق مسار مثير للفتنة لا الحل:
أما في شرق السودان فقد كانت الأمور أكثر تعقيدا إذ تسبب /مسار الشرق في تعميق الانقسام بين مكونات البجا وعارضته قيادات تاريخية معتبرة أنه مفروض من المركز دون تشاور شعبي وقد قاد هذا التوتر إلى /إغلاق الميناء و/الطريق القومي أكثر من مرة فيما لا تزال المطالب التنموية والبنى التحتية متأخرة عن كل المعايير.
#خامسا: لماذا لا يعاد فتح التفاوض حول نصيب هذه الأقاليم…؟
إذا كانت الاتفاقية قابلة للتعديل والتطوير كما يقال فإن فتح التفاوض من جديد لتدارك هذا الإقصاء أصبح مطلبا ضروريا لا سيما أن الواقع أثبت أن الاتفاق لا يعبّر عن كل السودان بل عن بعضه فالدولة التي لا تحتضن جميع أقاليمها في معادلة السلام الشامل تغذي التوتر والتمرد وتغلق الباب أمام الاستقرار الحقيقي.
إن أبناء الوسط والشرق لا يطالبون بمحاصصات ولاكراسي وإنما بمساواة عادلة في التنميةوالتمثيل والفرص وفق أوزانهم السكانية والإنتاجية والثقافية هذا حق وطني لا منحة من أحد.
#سادسا: الحل يمكن في عقد مؤتمر سلام وطني شامل:
بات واضحا أن نهج المسارات الانتقائية لا يخدم سوى أصحاب النفوذ والسلاح والحل الحقيقي هو عقد مؤتمر وطني شامل للسلام يضم كافة المكونات السودانية السياسية والاجتماعية والمدنية ويدار بروح شراكة لا غنيمة وبمرجعية قومية لاجهوية.
#الخلاصة:
اتفاقية جوبا رغم ما حققته من مكاسب لبعض الأقاليم فقد كرست تهميشا جديدا بطريقة رسمية تجاه ولايات الوسط والشرق مما ينذر بعواقب وخيمة إذا لم تتم معالجته فالسودان لا يمكن أن ينهض بجهة دون أخرى ولا يمكن أن يبنى السلام بالإقصاء
فإلى متى سيظل أهل الشرق والوسط على الهامش..؟
هذا سؤال لا بد أن يطرح اليوم قبل الغد وإلا فإن القادم سيكون أشد ضررا على وحدة البلاد .



